تتحرك الدبلوماسية الأردنية في الآونة الأخيرة وفق حافة حادة من الحسابات المعقدة، مستندة إلى استراتيجية قوامها "تجاوز" التواصل المباشر مع حكومة بنيامين نتنياهو وبناء شراكة عميقة ومكثفة مع الاتحاد الأوروبي، كحائط صد سياسي ودبلوماسي يحمي المصالح الاستراتيجية للمملكة، وعلى رأسها الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس وحل الدولتين.
ورغم وضوح المسار الأردني، يبقى التساؤل الملحّ حول مدى قدرة هذه الرؤية على الصمود وتحقيق نجاحات ملموسة في ظل واقع إقليمي ودولي شديد التقلب.
وتعكس القمة الأردنية الأوروبية التي استضافتها العاصمة عمان واللقاءات الوزارية المتلاحقة الثقل الذي تضعه عمان على الدعم الأوروبي؛ حيث يجد الأردن في بروكسل شريكاً يشاركه التمسك الحرفي بالقانون الدولي ويرفض بشدة أي خطط إسرائيلية لضم أراضي الضفة الغربية أو الاستيطان في المناطق الحساسة مثل (E1)، وهي المواقف التي تُثبّت المرجعية الدولية للقضية الفلسطينية في مواجهة الطروحات الراديكالية لليمين الإسرائيلي.
هذا التناغم يمنح الأردن غطاءً دولياً حيوياً للاستمرار في تقديم الدعم الإنساني لقطاع غزة عبر الممرات البرية والجوية، وإعادة التأكيد على محورية إصلاح السلطة الفلسطينية لتمكينها من إدارة المشهد الأمني والمدني مستقبلاً.
ومع ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية الأردنية اختبارات عملية صعبة ترتبط بمدى فاعلية "الأداة الأوروبية" في الضغط الحقيقي على الأرض؛ فالأوروبيون الذين يظهرون التزاماً كاملاً بدعم الأردن سياسياً واقتصادياً، ومؤخراً عبر زيارات منسقة لبحث ملفات حقوق الإنسان والنزوح، يظلون عاجزين عن فرض إرادتهم بشكل منفرد على القرار الأمني الإسرائيلي الذي لا يزال محكوماً ببوصلة واشنطن وتفاهماتها الميدانية، فضلاً عن السيطرة الحزبية والسياسية الكاملة التي يفرضها نتنياهو على مفاصل اليمين الحاكم وتأكيد حزبه على بقائه مرشحاً وحيداً للمرحلة المقبلة.
وتزداد الدبلوماسية الأردنية دقة وهي تحاول الموازنة بين هذه الشراكة الأوروبية المتينة وبين التعاطي مع التحركات الأمريكية؛ حيث بدا ذلك واضحاً في الترحيب الأردني الأوروبي المشترك بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة والتي اعتمدها مجلس الأمن، مما يعني أن عمان لا تبني محوراً مضاداً لواشنطن بقدر ما تحاول استخدام العمق الأوروبي لإعادة صياغة الهوامش وتعديل موازين القوى بما يمنع تهميش الدور الأردني التاريخي.
نجاح الاستراتيجية الأردنية يظل رهناً بقدرة هذا التحالف مع أوروبا على التحول من بيانات التنديد المشترك بضم الأراضي والاستيطان إلى خطوات دبلوماسية واقتصادية قادرة على كبح الجماح الإسرائيلي ميدانياً.