تخوض الإدارة الأمريكية حراكاً دبلوماسياً وأمنياً مكثفاً في بغداد، يهدف إلى رسم ملامح "صراع صامت" مع طهران، يتمحور جوهرياً حول استراتيجية "فصل ملف العراق" عن المفاوضات النووية والأمنية الشاملة التي تجري بين واشنطن وإيران. وتأتي هذه التحركات، التي يقودها المبعوث الأمريكي توم برّاك، في وقت تسعى فيه بغداد لإعادة التموضع وسط الضغوط الدولية لإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة، وتطلعات الحكومة العراقية للحصول على دعم مالي أمريكي وإقليمي لإنقاذ خزينة الدولة شبه الخاوية، خاصة في ظل التداعيات الاقتصادية التي خلفتها أزمة مضيق هرمز.
وتشير المعطيات الميدانية والتقارير السياسية إلى أن واشنطن تهدف، من خلال هذا الفصل الاستراتيجي، إلى منع طهران من استخدام الساحة العراقية كـ "منطقة رمادية" للمناورة أو كأداة لفرض شروطها في الملفات النووية. وفي هذا السياق، شهدت بغداد اتفاقاً مشتركاً بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والمبعوث برّاك، يقضي بالنزع الكامل لسلاح كافة الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة، وهي خطوة يراها المراقبون محاولة أمريكية لقطع القنوات التي تستغلها طهران للوصول إلى مؤسسات الدولة الريعية في العراق، ومنعها من استعادة نفوذها في حال حصولها على وقت أو موارد إضافية من اتفاق التهدئة الأخير.
في المقابل، يجد "الإطار التنسيقي" والقوى المتحالفة مع إيران نفسها أمام تحدي الموازنة بين الحفاظ على مكتسبات النفوذ الداخلي وبين الحاجة الماسة للسيولة المالية التي وعدت واشنطن بفتح أفقها أمام بغداد، خاصة مع اقتراب زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن في يوليو المقبل. وبينما تراهن الإدارة الأمريكية على تحويل الحكومة العراقية الحالية إلى "قصة نجاح" أمنية واقتصادية بعيداً عن الهيمنة الإيرانية، تبقى الدوائر الاستخبارية الأمريكية شديدة الحذر من قدرة الفصائل على الالتفاف على هذه الضغوط، مما يضع مستقبل الاستقرار في العراق رهناً بمدى قدرة الدولة على فرض سيادتها المطلقة على مواردها وسلاحها بعيداً عن التجاذبات الإقليمية.