تحت عنوان "المقاتل الشبح"، سلط الكاتب ماهر فرغلي الضوء على التحولات الجذرية والعميقة في استراتيجية تنظيم "داعش" داخل الساحة السورية، منتقلاً من مرحلة "السيطرة الميدانية التقليدية" التي سادت سنوات ما عرف بـ"الخلافة المكانية"، إلى مرحلة التكيف والتخفي تحت وطأة الضربات الأمنية. ويُظهر التتبع التحليلي لأدبيات التنظيم وهيكليته أن "داعش" أعاد هندسة نفسه بالكامل ليتلائم مع متطلبات مرحلة حرب الاستنزاف والعمل السري، متخلياً عن الهياكل الهرمية الواضحة لصالح أشكال تنظيمية مرنة وشبكية.
لقد طال هذا التغيير الاستراتيجي بنيّة التنظيم العسكرية والأمنية؛ حيث تحول من الاعتماد على ما سمي بـ"قوات النخبة" إلى تبني نموذج "الخلايا العنقودية الكامنة"، مستبدلاً أسلوب المواجهة العسكرية المباشرة بتكتيك "اختراق الخصوم من الداخل". ولم يعد جهد التنظيم محصوراً في استهداف الفصائل العسكرية الخصمة فحسب، بل امتد لضرب المكونات المدنية وإحداث شرخ مجتمعي، إلى جانب تأسيس وتوجيه مجموعات غير متصلة تنظيمياً به بشكل مباشر -مثل "سرايا أنصار السنة"- للتمويه وتنفيذ العمليات، وكل ذلك يصب في غاية استراتيجية واحدة تتمثل في إحداث انقسامات داخلية، أو محاولة استغلال التوترات السياسية والأمنية للظهور مجدداً.
وفي قراءته لطبيعة القيادة والتمويل بدءاً من عهد زعيمه الأسبق أبو إبراهيم الهاشمي وصولاً إلى القيادة الحالية تحت إمرة أبو حفص الهاشمي، يتبين أن التنظيم اعتمد نموذج "الرمز القيادي" مع فصل الإدارة المالية وتركيزها في يد "اللجنة المفوضة"، بالتزامن مع إطلاق ما يُعرف بـ"الخلافة الافتراضية". وتعتمد هذه الفكرة على كثافة النشاط الدعتي والتحريضي عبر شبكة الإنترنت لجمع نواة صلبة جديدة، وتحقيق الاكتفاء المالي الذاتي، وترتيب الأوراق بانتظار الثغرات الأمنية للوثوب نحو "أرض التمكين". وبذلك تحول التنظيم من جماعة تدعي إدارة "خلافة الأرض" إلى جماعة سرية تتبنى تكتيكات "المقاتل الشبح" و"معارك الأذرع الطويلة"، ممثلةً أداة تمهيد لإعادة إنتاج المشروع من جديد.
وعلى الصعيد الميداني، استقر الهيكل القتالي لـ"داعش" في سوريا على الاعتماد الفعلي على أربعة محاور يديرها "المجلس العسكري"، وهو الجهاز المعني بالتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المعارك، وتجهيز الغزوات، والإشراف والتقويم لعمل الأمراء العسكريين، فضلاً عن إدارة ملف التسليح والغنائم. غير أن الثقل الحقيقي يكمن في "الخلايا المنفردة" والعنقودية التي يتم تشكيلها وإدارتها بعناية فائقة لتنفيذ العمليات القتالية الخاصة، والمستندة إلى خلفية أيديولوجية صارمة. وتتكامل هذه المنظومة الميدانية عبر توظيف "مجموعات حرب الاستنزاف"، وهي عناصر قتالية تعمل ضمن خلايا عنقودية مستقلة ظاهرياً ويشرف عليها مباشرة الجهاز الأمني للتنظيم لضرب الأهداف المحددة بأقل قدر من المخاطر الاستخباراتية.