كراكاس – وكالات
في تحرك دبلوماسي لافت، وجهت الحكومة الفنزويلية مناشدة رسمية إلى الملك البريطاني تشارلز الثالث، تطالب فيها بالإفراج عن 31 طناً من احتياطاتها الذهبية المجمدة في بنك إنجلترا منذ سنوات. وتأتي هذه الخطوة في وقت تعاني فيه كراكاس من ضغوط اقتصادية خانقة، حيث تؤكد السلطات الفنزويلية أن هذه الكمية الضخمة من الذهب، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، تعد حقاً سيادياً للشعب الفنزوئي، وتشدد على ضرورة تحريرها لاستخدامها في مشاريع إعادة الإعمار الوطنية وتمويل برامج الرعاية الاجتماعية التي تضررت بشدة جراء العقوبات الاقتصادية الدولية.
وتعود جذور هذه القضية المعقدة إلى سنوات من النزاع القانوني والسياسي، حيث جمدت السلطات البريطانية هذه السبائك الذهبية في أعقاب الطعن في شرعية الانتخابات الرئاسية الفنزويلية التي جرت في عام 2018، والتي لم تعترف بها لندن، معتبرة أن خوان غوايدو، زعيم المعارضة آنذاك، هو "الرئيس المؤقت" الشرعي. ونتيجة لهذا الانقسام، خاضت كراكاس معارك قضائية طويلة في المحاكم البريطانية، محاولة إثبات أحقية البنك المركزي الفنزويلي التابع للحكومة القائمة بالسيطرة على هذه الأصول، إلا أن القضاء البريطاني أصدر أحكاماً متتالية لصالح الاعتراف بالمعارضة آنذاك كجهة لها الحق في الوصاية على تلك الأصول، ما أبقى الذهب رهينة للتعقيدات الدبلوماسية.
وتتجاوز قصة الذهب الفنزويلي حدود النزاع المالي، لتصبح رمزاً لصراع الأجندات السياسية الدولية؛ فبينما ترى كراكاس أن قرار التجميد يمثل "قرصنة دولية" وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة، تبرر لندن موقفها بضرورة الالتزام بمعايير الحوكمة والشرعية السياسية التي لا تعترف بالقيادة الحالية في فنزويلا. ومع التغيرات في المشهد السياسي الفنزويلي وتلاشي تأثير حركة المعارضة التي كان يمثلها غوايدو، تراهن الحكومة الفنزويلية اليوم على أن "الرسالة الملكية" قد تشكل مدخلاً إنسانياً لتجاوز الجمود القانوني، خاصة مع تزايد الحاجة الماسة للسيولة المالية لإنعاش الاقتصاد الوطني المتهالك.
ويبقى مصير هذه الأطنان من الذهب معلقاً بين حبال القانون البريطاني ودهاليز السياسة الخارجية، في انتظار ما إذا كانت المناشدة الموجهة إلى القصر الملكي ستفتح ثغرة في جدار المقاطعة الغربية، أم أنها ستظل حبيسة الأروقة القضائية الدولية. ويؤكد مراقبون أن تسوية هذا الملف لا تعتمد فقط على الالتماسات الدبلوماسية، بل تتطلب توافقاً سياسياً أوسع يشمل اعترافاً دولياً جديداً، وهو ما يظل حتى اللحظة بعيد المنال في ظل استمرار الفجوة العميقة بين كراكاس والقوى الغربية.