شهدت القاعة العامة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك توتراً دبلوماسياً غير مسبوق وانفجاراً لخلاف نادر بين حليفين تقليديين هما الولايات المتحدة وفرنسا، تمثل في انسحاب الدبلوماسيين الأمريكيين من القاعة لحظة بدء المندوب الفرنسي كلمته، وذلك على وقع تقريع متبادل وتصاعد حاد في التباينات السياسية.جذور الأزمة: معركة التجديد لمفوض حقوق الإنسان يعود فتيل الأزمة إلى التصويت الذي جرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجديد ولاية مفوضها السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، لأربع سنوات إضافية. وفي الوقت الذي أُقر فيه التجديد بأغلبية واسعة بلغت 144 صوتًا وبدعم صريح من فرنسا وعموم الدول الأوروبية، برز موقف أمريكي معارض وحاد انضم إلى جانب إسرائيل وروسيا وكوريا الشمالية وعدد من الدول الأخرى، وسط تلويح واشنطن بإعادة تقييم تمويلها وانخراطها في الهيئات الأممية. حرب المنشورات والتغريدات سرعان ما انتقل التوتر من أروقة التصويت إلى منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ نشرت البعثة الفرنسية في جنيف تغريدة تنتقد بشدة الموقف الأمريكي، معتبرة أن الولايات المتحدة "لم تعد منارة لحقوق الإنسان، وباتت تقف معزولة إلى جانب كوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي وروسيا، ولم يعد العالم يُصغي إليها". ورد المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، باتهامات حادة لباريس بالتساهل مع أسوأ منتهكي حقوق الإنسان ودعم شخص يوجه المحاضرات للديمقراطيات الحرة بينما يتقرب من المستبدين.الانسحاب الأمريكي و"الغضب الأخلاقي"خلال جلسة لمجلس الأمن مخصصة لبحث ملف أوكرانيا، نفذ الوفد الأمريكي خطوة الانسحاب المفاجئ فور إعطاء الكلمة للجانب الفرنسي. وفي أعقاب عودتهم، صرح نائب المندوب الأمريكي الدائم، دان نيغريا، بأن بلاده لن تستمر في تحمل ما وصفه بـ"الهرّاء السياسي" و"التظاهر بالغضب الأخلاقي" ومحاولات إلقاء المحاضرات المتعالية من الجانب الفرنسي، مؤكدًا أن واشنطن لن تمنح باريس شرف الإصغاء لخطابها حتى تتخلى عن هذه النبرة.الرد الفرنسي وخلفيات التوتر الأوسع من جانبه، تجنب المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة، جيروم بونافون، الالتفات مباشرة لواقعة الانسحاب عند رده في نهاية الجلسة، مفضلاً التركيز على التذكير بالعلاقات التاريخية وروح الشراكة والالتزام بميثاق الأمم المتحدة واستقلال مؤسساتها ودعم قضايا السلام وحقوق الإنسان.ويرى المراقبون أن هذا الصدام العلني يعكس أزمة أعمق في العلاقات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدول الأوروبية، تتجاوز الملف الحقوقي الأممي لتشمل تباينات جوهرية تتعلق بالتزام واشنطن بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ومستقبل القوات الأمريكية في القارة، وملف السيطرة على غرينلاند، فضلاً عن امتعاض واشنطن من غياب الدعم الأوروبي خلال حربها الأخيرة مع إيران، وهو ما دفع باريس ولندن مؤخراً لتعزيز قدراتهما العسكرية الذاتية ومظلتها النووية المستقلة.
كتب : محمد مختار