يتعرض قطاع النفط الليبي لضغوط بالغة الخطورة مع اتساع رقعة الإغلاقات والاحتجاجات التي طالت مسارات رئيسية في منظومة الإنتاج والنقل والتكرير، مما يهدد بتعطيل العصب الرئيسي للاقتصاد الوطني وقطع الإمدادات الحيوية عن السوق المحلية والأسواق الدولية. وبدأت فصول الأزمة الحالية بإغلاق الصمام رقم 7 على خط نقل خام حقل الشرارة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الضغوط الفنية داخل الخط وانخفاض حاد في معدلات الإنتاج بأكبر الحقول النفطية في البلاد، مسجلاً خسائر فورية قدرت بنحو 130 ألف برميل يومياً، وسط تحذيرات متصاعدة من المؤسسة الوطنية للنفط من تفاقم الخسائر التشغيلية.
ورغم مساعي التواصل المستمرة مع جهاز حرس المنشآت النفطية في الجنوب الغربي لتأمين المواقع المستهدفة، إلا أن الفرق الفنية للمؤسسة عجزت تماماً عن الوصول إلى منطقتي الصمامين 6 و7 لإصلاح الخلل وإعادة التدفقات إلى مسارها الطبيعي. وتكمن الخطورة البالغة لهذا التعطيل في كون خط الشرارة حلقة وصل أساسية ضمن سلسلة نقل الخام من قلب الحقول الصحراوية إلى مرافق التصدير والتكرير، الأمر الذي يجعل توقفه ضربة مباشرة لكامل البنية التحتية المرتبطة به وليس للحقل وحده.
ولم تقتصر الأزمة عند حدود الحقول ومسارات النقل الجنوبية، بل امتدت رقعتها لتشمل مجمع الزاوية النفطي بعد قيام مجموعة تابعة لجهاز حرس المنشآت بإغلاق بوابات شركة الزاوية لتكرير النفط وشركة البريقة لتسويق المحروقات. وقد حال هذا الإغلاق دون دخول المهندسين والمستخدمين لمواقع عملهم ومنع تبادل الورديات الليلية المشغلة للعمليات، مما يضع أنشطة التكرير والتخزين والتوزيع أمام مخاطر تشغيلية كارثية قد تمتد تداعياتها المباشرة لتشل شبكة إمدادات الوقود في المنطقة الغربية وتفاقم أزمة الاستيراد المحلي.
وفي ظل تداخل نقاط الضغط بين تعطل الخام جنوباً واشلال مرافق التكرير والتوزيع غرباً، تجد المؤسسة الوطنية للنفط نفسها أمام امتحان عسير لاحتواء الأزمة قبل أن تلتهم الإيرادات العامة للدولة التي تعتمد اعتماداً شبه كلي على عوائد النفط. وأمام هذه التحديات الجسيمة، لوحت المؤسسة بإمكانية إعلان حالة القوة القاهرة إذا استمرت الظروف القاهرة التي تحيل دون أداء مهامها والوفاء بالتزاماتها التعاقدية الدولية، وهي خطوة قانونية واقتصادية تحمل في طياتها تبعات ثقيلة على مصداقية ليبيا وموثوقيتها في أسواق الطاقة العالمية.
وتؤكد هذه التطورات المتلاحقة أن قطاع النفط الليبي لا يزال رهينة للتحديات الأمنية والتشغيلية المتكررة، مما يجعل من استمرار هذه الإغلاقات تهديداً وجودياً للاستقرار الاقتصادي ومصالح الدولة العليا. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة السلطات والمؤسسة الوطنية للنفط على كبح جماح هذه الأزمات المتتالية وحماية شريان الحياة الوحيد للاقتصاد الليبي من التوقف التام.