أدى الكشف عن تفكيك ما بات يعرف بـ«خلية طرابلس التخريبية»، المتورطة في هجمات بالمسيّرات الانتحارية استهدفت منشآت نفطية وكهربائية حيوية في العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية، إلى بروز تباين سياسي ومؤسسي واسع بين المجلس الرئاسي وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة. وفي حين توجه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتزامن مع إعلان لجوء ليبيا رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية للحصول على دعم فني وقانوني، تمسكت وزارة الدفاع التابعة لحكومة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بسرعة ومجری التحقيقات المحلية البحتة، نافيةً وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذا الملف الأمني الحساس الذي أثار مخاوف واسعة في الشارع الليبي بشأن استقرار الخدمات الأساسية.
ويأتي هذا التحرك المفاجئ من قبل المجلس الرئاسي على خلفية تقييم قانوني أصدرته السلطات المختصة، اعتبرت فيه الهجمات الإرهابية الممنهجة ضد البنية التحتية المدنية وخزانات الوقود ومحطات الطاقة ترقى إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تقع ضمن الاختصاص الموضوعي لنظام روما الأساسي. وأوضح المنفي أن ليبيا تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، بالتنسيق بين وزارتي الخارجية والدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للجنائية الدولية لتعزيز التعاون والتحقيقات، مشيراً إلى تورط عناصر أجنبية تحمل جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما إلى جانب عناصر محلية. وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» أن التحقيقات الداخلية مستمرة لضبط جميع المتورطين والجهات المرتبطة بهم، مؤكدة التزامها التام بالإفصاح عن النتائج للرأي العام فور استكمالها، ومشددة على رفضها المطلق لأي تفاوض سياسي أو صفقة تخص هذا الملف الأمني المعقد.
وقد انعكس هذا الانقسام في التعامل الرسمي بين مسار يسعى لتدويل القضية وإخضاعها للقانون الجنائي الدولي لضمان عدم إفلات العناصر الأجنبية من العقاب، ومسار وطني يتمسك بالسيادة القضائية والأمنية للتحقيقات المحلية، على حالة الجدل الشديد في الشارع الليبي ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد عبر المواطنون عن مخاوف عميقة من تداعيات استهداف شريان الطاقة والكهرباء على حياتهم اليومية، وانقسمت الآراء الشعبية والمحلية بين مؤيد لخطوة المجلس الرئاسي لحماية المنشآت الحيوية عبر مظلة العدالة الدولية، ومحذر من مغبة تسييس الملف أو تحويله إلى ساحة للصراع السياسي الداخلي على حساب الشفافية وكشف الحقائق كاملة، وسط دعوات ملحة لتعزيز الإجراءات الأمنية وحماية مقدرات الدولة من أي خروقات مستقبلية قد تضاعف من معاناة المواطنين.