لم تعد المواجهة الدائرة في إثيوبيا مجرد جولة جديدة بين حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيجراي، فالحرب التي عادت إلى شمال البلاد تحولت خلال أيام إلى شبكة واسعة من التحالفات الداخلية والحسابات الإقليمية، بعدما أعلنت سبع قوى مسلحة وسياسية تشكيل «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف إسقاط الحكومة الحالية وتأسيس إدارة انتقالية.
الجديد في هذا التحالف ليس فقط عدد الجماعات المنضوية تحته، وإنما جمعه بين خصوم خاضوا قبل سنوات حربًا دامية ضد بعضهم البعض. فحركة فانو الأمهرية قاتلت إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد قوات تيغراي في حرب 2020–2022، قبل أن تنقلب على حكومة آبي أحمد وتجد نفسها اليوم داخل تحالف تقوده القوة التي حاربتها بالأمس.
غير أن وصف التحالف بأنه «جبهة عسكرية موحدة» لا يزال سابقًا لأوانه. فالجماعات السبع لا تمتلك قيادة مشتركة معلنة، ولا برنامجًا سياسيًا تفصيليًا، كما تختلف فيما بينها بشأن الأرض وشكل الدولة ومستقبل النظام الفيدرالي. وما يجمعها حتى الآن هو خصم واحد أكثر مما يجمعها مشروع حكم واحد.
من هم أعضاء التحالف السبعة؟
1- جبهة تحرير شعب تيغراي
تمثل جبهة تحرير شعب تيغراي القوة العسكرية والسياسية الأثقل داخل التحالف. تأسست عام 1975 حركةً مسلحة ضد نظام منغستو هيلا مريام، ثم قادت الائتلاف الذي حكم إثيوبيا فعليًا من عام 1991 حتى صعود آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018.
دخلت الجبهة حربًا مفتوحة مع الحكومة الفيدرالية في نوفمبر 2020، وانتهت الحرب باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. لكن الاتفاق أوقف إطلاق النار من دون أن يحسم قضايا أساسية، أبرزها غرب تيغراي، وعودة النازحين، ونزع السلاح، واستعادة الإقليم لسلطاته ومؤسساته.
وفي مايو 2026 أعادت الجبهة تشكيل مجلسها التشريعي ونصّبت زعيمها دبرصيون جبرميكائيل رئيسًا للإقليم، في خطوة اعتبرتها أديس أبابا خروجًا على الترتيبات التي أعقبت اتفاق بريتوريا.
ثم تصاعدت المواجهات إلى أن استعادت قوات تيغراي مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، ودفعت بقوات إلى داخل إقليمي عفر وأمهرة.
الجبهة فقدت جزءًا كبيرًا من أسلحتها الثقيلة بموجب اتفاق السلام، لكنها ظلت صاحبة التنظيم العسكري والخبرة القتالية الأكبر بين أعضاء التحالف. كما يُعتقد أنها تحتفظ بجزء من شبكاتها المالية والسياسية التي تكونت خلال سنوات وجودها في السلطة.
أما الدعم الخارجي، فتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بتمويل الجبهة وتوفير ممرات اتصال وإمداد لها. وتنفي أسمرة تقديم دعم عسكري، إلا أن دبلوماسيين ومحللين قالوا إن إريتريا أتاحت لقوات تيغراي اتصالًا بالعالم الخارجي عبر أراضيها وساحلها، بعدما كانت تيغراي محاصرة تمامًا خلال الحرب السابقة.
2- حركة فانو الوطنية في أمهرة
فانو ليست حزبًا تقليديًا أو جيشًا مركزيًا، وإنما شبكة من التشكيلات الأمهرية المحلية المنتشرة في جوندر وجوجام وولو وشوا، ولها قيادات متعددة ودرجات متفاوتة من التنسيق.
قاتلت فانو إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020، وسيطرت مع القوات الفيدرالية على مناطق متنازع عليها، أبرزها غرب تيغراي. لكن علاقتها بآبي أحمد انقلبت في عام 2023، عندما قررت الحكومة دمج القوات الخاصة الإقليمية داخل الجيش والشرطة الفيدرالية. ورأى كثير من الأمهرة في القرار محاولة لتجريدهم من القوة المسلحة وترك مناطقهم بلا حماية.
ومنذ ذلك الوقت تخوض فصائل فانو تمردًا واسعًا ضد الحكومة داخل أمهرة، إلا أن دخولها التحالف الجديد لا يعني أن جميع فصائلها توافق عليه. فبعض قادة فانو في وولو وجوجام أكثر استعدادًا للتنسيق مع تيغراي، بينما ترفض فصائل أخرى أي شراكة مع الجبهة بسبب النزاع على غرب تيغراي وذكريات الحرب السابقة.
يتولى زِمِّني كاسي، أحد أبرز قادة فانو، رئاسة التحالف الجديد، وهو الذي قرأ بيانه التأسيسي عبر تلفزيون تيغراي.
لا توجد أدلة علنية قاطعة تحدد دولة بعينها باعتبارها الممول المباشر لفانو. الحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعمها ماليًا وعسكريًا، لكن أسمرة تنفي ذلك. أما الجزء الأكبر من سلاح فانو فيُعتقد أنه جاء من مخزون القوات الإقليمية السابقة، ومن الأسلحة التي حصلت عليها خلال قتالها إلى جانب الجيش، بالإضافة إلى ما استولت عليه في مواجهاتها اللاحقة مع القوات الحكومية.
3- جيش تحرير أورومو
جيش تحرير أورومو هو الجناح الذي واصل العمل المسلح بعد عودة قيادة جبهة تحرير أورومو من المنفى عام 2018 ودخولها العملية السياسية. ويتركز نشاطه في إقليم أوروميا، خاصة المناطق الغربية والوسطى.
يقول التنظيم إنه يقاتل من أجل تقرير المصير وحماية حقوق شعب الأورومو، أكبر المكونات السكانية في إثيوبيا، بينما تصفه الحكومة باسم «شيني» وتتهمه بتنفيذ هجمات ضد المدنيين ومؤسسات الدولة.
خاض التنظيم مفاوضات مع الحكومة في تنزانيا خلال عام 2023، لكنها انتهت دون اتفاق. كما سبق أن أقام تنسيقًا عسكريًا مع جبهة تيغراي خلال الحرب الماضية، لكن مشاركته في التحالف الحالي تبدو سياسية أكثر منها اندماجًا في قيادة عسكرية موحدة.
ولجيش تحرير أورومو خلافات حادة مع فانو بسبب مناطق التداخل بين الأمهرة والأورومو، واتهامات متبادلة بارتكاب هجمات ضد المدنيين، وهو ما يمثل أحد أكبر عوامل ضعف التحالف.
لا تتوافر معلومات موثقة حديثة تثبت تلقي التنظيم تسليحًا مباشرًا من دولة أجنبية. وقد وُجهت إليه اتهامات تاريخية بالحصول على دعم وملاذ في إريتريا، لكن شبكات تسليحه الحالية يُرجح أنها تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيلاء على أسلحة القوات الحكومية، والسوق المحلية، وشبكات أنصاره في الداخل والخارج.
4- جبهة تحرير أوجادين الوطنية
ظهرت جبهة تحرير أوجادين الوطنية في عام 1984، ورفعت مطالب تقرير المصير لسكان الإقليم الصومالي شرقي إثيوبيا. وخاضت لعقود تمردًا مسلحًا ضد الحكومة، خاصة بعد اتهامها الدولة بالاستفادة من موارد النفط والغاز من دون منح السكان نصيبًا عادلًا منها.
وقعت الجبهة اتفاق سلام مع حكومة آبي أحمد عام 2018، وتخلت رسميًا عن الكفاح المسلح ودخلت العمل السياسي. لكنها تعرضت لانقسام داخلي في 2025 بعد دعوة رئيسها السابق عبد الرحمن مهدي إلى العودة للعمل المسلح، في ظل خلافات حول امتيازات الغاز الممنوحة لشركات صينية في الإقليم الصومالي.
ولهذا لا يصح القول إن جبهة أوجادين بكاملها انضمت إلى التحالف؛ فالتيار الذي يقوده عبد الكريم شيخ موسى يؤكد تمسكه باتفاق السلام وينفي المشاركة في أي تحالف مسلح، بينما يبدو أن فصيلًا منشقًا أو منافسًا هو الذي أعلن الانضمام.
تاريخيًا، عملت قيادة الجبهة من إريتريا واستفادت من وجودها هناك، لكن لا يوجد دليل معلن يثبت حصول الفصيل المنضم للتحالف على تسليح إريتري حاليًا.
5- الجبهة الثورية الديمقراطية للوحدة في عفر «أوجوجومو»
تعد «أوجوجومو» من أقدم حركات التمرد في منطقة عفر، وترجع جذورها السياسية والمسلحة إلى حركات قومية ظهرت منذ سبعينيات القرن الماضي. وتطالب بقدر أكبر من الحكم الذاتي لعفر، وحماية أراضيهم ومصالحهم الممتدة عبر حدود إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي.
مرت علاقتها بالحكومة الإثيوبية بمراحل من الصدام والهدنة والمصالحة. كما دخلت في خلافات سابقة مع جبهة تيغراي واتهمتها بقتل مدنيين من عفر خلال حرب 2021–2022، قبل أن تعود اليوم إلى التنسيق معها ضد الحكومة الفيدرالية.
تُعد أوجوجومو واحدة من ثلاث قوى ثبت اشتراكها الفعلي في القتال الحالي. وتقدمت مع قوات تيغراي داخل عفر، خصوصًا في محيط إريبتي وأبالا، ما يهدد نظريًا الطريق الحيوي الواصل بين سيميرا وجيبوتي، الذي تمر عبره غالبية واردات إثيوبيا.
حركة عفر عملت تاريخيًا في منطقة حدودية مفتوحة، وتبادلت أديس أبابا وأسمرة الاتهامات بشأن دعمها في فترات مختلفة. لكن لا يوجد حتى الآن إثبات مستقل يحدد مصدر التسليح المستخدم في عملياتها الحالية.
6- حركة تحرير شعب بني شنقول
تأسست الحركة في تسعينيات القرن الماضي، وتنشط في إقليم بني شنقول–قمز غربي إثيوبيا، وهو الإقليم الذي يقع فيه سد النهضة. وتقول إنها تمثل القوميات المحلية، خاصة البرتا والقمز، في مواجهة ما تعتبره تهميشًا سياسيًا واقتصاديًا وسيطرةً من القوميات الكبرى.
وقعت الحركة أكثر من اتفاق سلام مع الحكومة، في أعوام 2005 و2013 و2022، لكنها عادت إلى العمل المسلح أو انقسمت بعد بعض هذه الاتفاقات.
وتوجد إفادات تاريخية، بينها تصريحات من أحد قادتها واتهامات قضائية إثيوبية، بأن عناصر منها تلقت تدريبًا داخل إريتريا. إلا أن ذلك لا يثبت تلقائيًا استمرار الدعم الإريتري حتى الحرب الحالية، ولا توجد معلومات موثوقة عن امتلاكها قوة عسكرية كبيرة الآن.
وجودها في التحالف مهم سياسيًا وجغرافيًا أكثر من ثقله العسكري، لأنه يمنح التحالف موطئ قدم اسميًا في إقليم بني شنقول–قمز شديد الحساسية بالنسبة إلى الحكومة الإثيوبية.
7- الحركة الديمقراطية لشعب القمز
تنشط الحركة وسط قومية القمز داخل إقليم بني شنقول–قمز، وارتبط اسمها بالصراعات المسلحة والأهلية التي شهدها الإقليم خلال السنوات الماضية.
وقعت الحركة اتفاقًا للسلام ونزع السلاح مع الحكومة في أكتوبر 2022، وسلم عدد من عناصرها أسلحتهم لاحقًا. غير أن اسمها ظهر ضمن البيان التأسيسي للتحالف الجديد.
وهنا توجد ملاحظة جوهرية: قيادة الحركة نفت انضمامها، وقالت إنها لا تملك أصلًا جناحًا مسلحًا في الوقت الحالي. وبالتالي قد يكون إدراج اسمها ناتجًا عن انضمام فصيل منشق، أو استخدام اسم الحركة من جانب شخصيات لا تمثل قيادتها الرسمية. ولهذا فإن التعامل معها بوصفها «جيشًا سابعًا» سيكون غير دقيق.
هل تقاتل الجماعات السبع بالفعل؟
حتى 26 سبتمبر، كانت الجهات المشاركة بوضوح في القتال هي:
جبهة تحرير شعب تيغراي.
فصائل من حركة فانو.
الجبهة الثورية في عفر «أوجوجومو».
أما جيش تحرير أورومو فأعلن أن أولويته هي إسقاط الحكومة، من دون تأكيد دخوله تحت قيادة عمليات مشتركة. وجبهة أوجادين منقسمة، بينما نفت حركة القمز المشاركة. وهذا يعني أن التحالف في مرحلته الحالية يمثل مظلة سياسية لسبع قوى أكثر من كونه جيشًا اتحاديًا بسبع قيادات.
وفي 25 سبتمبر أعلنت جبهة تحرير سيداما رغبتها في الانضمام، ما قد يرفع العدد نظريًا إلى ثماني قوى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها تشكيلًا عسكريًا مؤثرًا في الجبهة الشمالية.
من يسلح التحالف ومن يقف خلفه؟
المعلومات المتاحة لا تسمح بالقول إن دولة واحدة أنشأت التحالف أو تسلح أعضاءه السبعة بصورة مباشرة. لكن هناك ثلاث دوائر للدعم والاتهامات:
أولًا: إريتريا
تتهم حكومة آبي أحمد أسمرة بأنها الممول الخارجي الأساسي للتحالف، وبأنها تدعم جبهة تيغراي وفانو وتفتح أراضيها أمام حركة الإمداد والاتصال. وتنفي إريتريا تلك الاتهامات.
التحول هنا شديد الدلالة؛ فإريتريا حاربت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي قبل أربع سنوات، لكنها أصبحت اليوم أقرب إلى خصومه. والسبب الرئيسي هو تصاعد الخلاف بشأن سعي إثيوبيا للحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر، وخشية أسمرة من أن تتحول مطالب أديس أبابا إلى محاولة للسيطرة على ميناء عصب.
ثانيًا: السودان ومصر
اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي إريتريا بحشد الدعم المالي لجبهة تيغراي، وأشار إلى أن أسمرة تحتاج إلى دعم من السودان ومصر. لكنه لم يقدم أدلة تفصيلية عن نوع هذا الدعم أو طرق وصوله. ونفت القاهرة والخرطوم التدخل.
كما ذكرت رويترز، نقلًا عن دبلوماسيين، أن بعض القوات التيغرانية قاتلت إلى جانب الجيش السوداني، وأن اجتماعات ساهمت في تأسيس التحالف عُقدت في الخرطوم. هذه المعلومات تشير إلى قنوات سياسية وعسكرية محتملة، لكنها لا تثبت أن مصر أو السودان يسلحان الجماعات السبع.
ثالثًا: مصادر السلاح الداخلية
جزء كبير من تسليح الجماعات الإثيوبية لا يحتاج بالضرورة إلى راعٍ خارجي؛ فالبلاد خرجت من حرب ضخمة امتلأت خلالها الأقاليم بالسلاح. وتملك تيغراي بقايا ترسانتها السابقة، بينما حصلت فانو على أسلحة عندما كانت حليفة للجيش، كما تعتمد جماعات أخرى على مخازن القوات الإقليمية والأسلحة التي تستولي عليها خلال الهجمات على الجيش والشرطة.
أما الطائرات المسيّرة التي يُشتبه في استخدامها ضد أهداف داخل أديس أبابا، فإذا ثبتت تلك الهجمات، فإنها ستشير إلى حصول التحالف على قدرات جديدة تتجاوز نمط حرب العصابات. لكن مصدر هذه القدرات لم يُحدد، ورويترز لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من مسؤولية التحالف عن الهجمات.
ماذا حدث على الأرض؟
بدأ التصعيد الكبير بعد إعلان التحالف بثلاثة أيام. سيطرت قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، وتقدمت إلى مناطق داخل عفر وأمهرة، كما استولت على إريبتي ذات الموقع الاستراتيجي.
لكن الجيش الإثيوبي والميليشيات المتحالفة معه شنوا هجومًا مضادًا، واستعادوا مدينة ألاماتا، مركز الإمداد المهم جنوب تيغراي، إلى جانب مناطق في أمهرة وعفر.
وبحسب أحدث تطورات 2 أكتوبر، اقتربت القوات الحكومية إلى مسافة تُقدر بنحو 30 كيلومترًا من ميكيلي، وأُغلقت المصارف والمتاجر في المدينة. واعترف دبرصيون جبرميكائيل بسيطرة القوات الفيدرالية على أجزاء من الإقليم، لكنه توعد بشن هجوم مضاد.
وتعني هذه التطورات أن القول إن «الجماعات السبع استولت اليوم على مواقع الجيش» يحتاج إلى ضبط؛ فالسيطرة حدثت بالفعل على مطارات وبلدات ومواقع خلال الأيام الماضية، لكن ميزان المعركة تغيّر سريعًا، وحققت القوات الحكومية تقدمًا واسعًا باتجاه عاصمة تيغراي.
لماذا يعد التحالف خطرًا رغم تناقضاته؟
خطر التحالف لا يكمن فقط في قدرته الحالية على إسقاط الحكومة، وإنما في تحويل أزمات إثيوبيا المنفصلة إلى حرب واحدة متعددة الجبهات.
فتيغراي تضغط من الشمال، وفانو تستنزف الحكومة في أمهرة، وجيش تحرير أورومو قادر على توسيع المعارك داخل أكبر أقاليم البلاد، بينما تمنح حركات عفر وبني شنقول وأوجادين الصراع امتدادًا إلى الممر التجاري نحو جيبوتي، والحدود السودانية، ومناطق الغاز شرقي البلاد.
لكن نقطة قوته هي نفسها نقطة ضعفه. فالجماعات المتحالفة تختلف على الأراضي والحدود والسلطة، وبعضها قاتل بعضًا قبل سنوات قليلة. كما لا توجد قيادة عسكرية مشتركة أو رؤية متفق عليها لما سيحدث إذا سقط آبي أحمد.
وبالتالي يبدو التحالف في الوقت الحالي أقرب إلى ائتلاف لإسقاط النظام، وليس ائتلافًا جاهزًا لحكم الدولة.
ومن هنا يواجه آبي أحمد أخطر تحدٍ منذ انتهاء حرب تيغراي، لكنه لا يواجه حتى الآن جيشًا موحدًا من سبع جماعات. ما يواجهه هو ثلاث قوى مسلحة رئيسية تخوض القتال، تحيط بها حركات وفصائل تقدم غطاءً سياسيًا وجغرافيًا أوسع.
ولا توجد أدلة منشورة تكفي للجزم بأن مصر أو السودان يسلحان التحالف، بينما تبدو الصلة الإريترية أكثر وضوحًا من الناحية السياسية واللوجستية، لكنها تظل موضع اتهام تنفيه أسمرة.
الحرب الحالية إذن ليست مجرد تمرد داخلي جديد، بل نقطة التقاء بين أزمة الدولة الفيدرالية، والصراع على البحر الأحمر، والحرب السودانية، والتوتر حول سد النهضة، والتنافس الإقليمي في القرن الأفريقي. وإذا نجح التحالف في تجاوز تناقضاته، فقد يتحول إلى تهديد وجودي لحكم آبي أحمد. أما إذا انفجرت خلافاته القديمة، فقد تتحول إثيوبيا من حرب بين الحكومة والمعارضة إلى حروب متداخلة بين مكونات المعارضة نفسها.
5- الجبهة الثورية الديمقراطية للوحدة في عفر «أوجوجومو»
تعد «أوجوجومو» من أقدم حركات التمرد في منطقة عفر، وترجع جذورها السياسية والمسلحة إلى حركات قومية ظهرت منذ سبعينيات القرن الماضي. وتطالب بقدر أكبر من الحكم الذاتي لعفر، وحماية أراضيهم ومصالحهم الممتدة عبر حدود إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي.
مرت علاقتها بالحكومة الإثيوبية بمراحل من الصدام والهدنة والمصالحة. كما دخلت في خلافات سابقة مع جبهة تيغراي واتهمتها بقتل مدنيين من عفر خلال حرب 2021–2022، قبل أن تعود اليوم إلى التنسيق معها ضد الحكومة الفيدرالية.
تُعد أوجوجومو واحدة من ثلاث قوى ثبت اشتراكها الفعلي في القتال الحالي. وتقدمت مع قوات تيغراي داخل عفر، خصوصًا في محيط إريبتي وأبالا، ما يهدد نظريًا الطريق الحيوي الواصل بين سيميرا وجيبوتي، الذي تمر عبره غالبية واردات إثيوبيا.
حركة عفر عملت تاريخيًا في منطقة حدودية مفتوحة، وتبادلت أديس أبابا وأسمرة الاتهامات بشأن دعمها في فترات مختلفة. لكن لا يوجد حتى الآن إثبات مستقل يحدد مصدر التسليح المستخدم في عملياتها الحالية.
6- حركة تحرير شعب بني شنقول
تأسست الحركة في تسعينيات القرن الماضي، وتنشط في إقليم بني شنقول–قمز غربي إثيوبيا، وهو الإقليم الذي يقع فيه سد النهضة. وتقول إنها تمثل القوميات المحلية، خاصة البرتا والقمز، في مواجهة ما تعتبره تهميشًا سياسيًا واقتصاديًا وسيطرةً من القوميات الكبرى.
وقعت الحركة أكثر من اتفاق سلام مع الحكومة، في أعوام 2005 و2013 و2022، لكنها عادت إلى العمل المسلح أو انقسمت بعد بعض هذه الاتفاقات.
وتوجد إفادات تاريخية، بينها تصريحات من أحد قادتها واتهامات قضائية إثيوبية، بأن عناصر منها تلقت تدريبًا داخل إريتريا. إلا أن ذلك لا يثبت تلقائيًا استمرار الدعم الإريتري حتى الحرب الحالية، ولا توجد معلومات موثوقة عن امتلاكها قوة عسكرية كبيرة الآن.
وجودها في التحالف مهم سياسيًا وجغرافيًا أكثر من ثقله العسكري، لأنه يمنح التحالف موطئ قدم اسميًا في إقليم بني شنقول–قمز شديد الحساسية بالنسبة إلى الحكومة الإثيوبية.
7- الحركة الديمقراطية لشعب القمز
تنشط الحركة وسط قومية القمز داخل إقليم بني شنقول–قمز، وارتبط اسمها بالصراعات المسلحة والأهلية التي شهدها الإقليم خلال السنوات الماضية.
وقعت الحركة اتفاقًا للسلام ونزع السلاح مع الحكومة في أكتوبر 2022، وسلم عدد من عناصرها أسلحتهم لاحقًا. غير أن اسمها ظهر ضمن البيان التأسيسي للتحالف الجديد.
وهنا توجد ملاحظة جوهرية: قيادة الحركة نفت انضمامها، وقالت إنها لا تملك أصلًا جناحًا مسلحًا في الوقت الحالي. وبالتالي قد يكون إدراج اسمها ناتجًا عن انضمام فصيل منشق، أو استخدام اسم الحركة من جانب شخصيات لا تمثل قيادتها الرسمية. ولهذا فإن التعامل معها بوصفها «جيشًا سابعًا» سيكون غير دقيق.
هل تقاتل الجماعات السبع بالفعل؟
حتى 26 سبتمبر، كانت الجهات المشاركة بوضوح في القتال هي:
جبهة تحرير شعب تيغراي.
فصائل من حركة فانو.
الجبهة الثورية في عفر «أوجوجومو».
أما جيش تحرير أورومو فأعلن أن أولويته هي إسقاط الحكومة، من دون تأكيد دخوله تحت قيادة عمليات مشتركة. وجبهة أوجادين منقسمة، بينما نفت حركة القمز المشاركة. وهذا يعني أن التحالف في مرحلته الحالية يمثل مظلة سياسية لسبع قوى أكثر من كونه جيشًا اتحاديًا بسبع قيادات.
وفي 25 سبتمبر أعلنت جبهة تحرير سيداما رغبتها في الانضمام، ما قد يرفع العدد نظريًا إلى ثماني قوى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها تشكيلًا عسكريًا مؤثرًا في الجبهة الشمالية.
من يسلح التحالف ومن يقف خلفه؟
المعلومات المتاحة لا تسمح بالقول إن دولة واحدة أنشأت التحالف أو تسلح أعضاءه السبعة بصورة مباشرة. لكن هناك ثلاث دوائر للدعم والاتهامات:
أولًا: إريتريا
تتهم حكومة آبي أحمد أسمرة بأنها الممول الخارجي الأساسي للتحالف، وبأنها تدعم جبهة تيغراي وفانو وتفتح أراضيها أمام حركة الإمداد والاتصال. وتنفي إريتريا تلك الاتهامات.
التحول هنا شديد الدلالة؛ فإريتريا حاربت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي قبل أربع سنوات، لكنها أصبحت اليوم أقرب إلى خصومه. والسبب الرئيسي هو تصاعد الخلاف بشأن سعي إثيوبيا للحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر، وخشية أسمرة من أن تتحول مطالب أديس أبابا إلى محاولة للسيطرة على ميناء عصب.
ثانيًا: السودان ومصر
اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي إريتريا بحشد الدعم المالي لجبهة تيغراي، وأشار إلى أن أسمرة تحتاج إلى دعم من السودان ومصر. لكنه لم يقدم أدلة تفصيلية عن نوع هذا الدعم أو طرق وصوله. ونفت القاهرة والخرطوم التدخل.
كما ذكرت رويترز، نقلًا عن دبلوماسيين، أن بعض القوات التيغرانية قاتلت إلى جانب الجيش السوداني، وأن اجتماعات ساهمت في تأسيس التحالف عُقدت في الخرطوم. هذه المعلومات تشير إلى قنوات سياسية وعسكرية محتملة، لكنها لا تثبت أن مصر أو السودان يسلحان الجماعات السبع.
ثالثًا: مصادر السلاح الداخلية
جزء كبير من تسليح الجماعات الإثيوبية لا يحتاج بالضرورة إلى راعٍ خارجي؛ فالبلاد خرجت من حرب ضخمة امتلأت خلالها الأقاليم بالسلاح. وتملك تيغراي بقايا ترسانتها السابقة، بينما حصلت فانو على أسلحة عندما كانت حليفة للجيش، كما تعتمد جماعات أخرى على مخازن القوات الإقليمية والأسلحة التي تستولي عليها خلال الهجمات على الجيش والشرطة.
أما الطائرات المسيّرة التي يُشتبه في استخدامها ضد أهداف داخل أديس أبابا، فإذا ثبتت تلك الهجمات، فإنها ستشير إلى حصول التحالف على قدرات جديدة تتجاوز نمط حرب العصابات. لكن مصدر هذه القدرات لم يُحدد، ورويترز لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من مسؤولية التحالف عن الهجمات.
ماذا حدث على الأرض؟
بدأ التصعيد الكبير بعد إعلان التحالف بثلاثة أيام. سيطرت قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، وتقدمت إلى مناطق داخل عفر وأمهرة، كما استولت على إريبتي ذات الموقع الاستراتيجي.
لكن الجيش الإثيوبي والميليشيات المتحالفة معه شنوا هجومًا مضادًا، واستعادوا مدينة ألاماتا، مركز الإمداد المهم جنوب تيغراي، إلى جانب مناطق في أمهرة وعفر.
وبحسب أحدث تطورات 2 أكتوبر، اقتربت القوات الحكومية إلى مسافة تُقدر بنحو 30 كيلومترًا من ميكيلي، وأُغلقت المصارف والمتاجر في المدينة. واعترف دبرصيون جبرميكائيل بسيطرة القوات الفيدرالية على أجزاء من الإقليم، لكنه توعد بشن هجوم مضاد.
وتعني هذه التطورات أن القول إن «الجماعات السبع استولت اليوم على مواقع الجيش» يحتاج إلى ضبط؛ فالسيطرة حدثت بالفعل على مطارات وبلدات ومواقع خلال الأيام الماضية، لكن ميزان المعركة تغيّر سريعًا، وحققت القوات الحكومية تقدمًا واسعًا باتجاه عاصمة تيغراي.
لماذا يعد التحالف خطرًا رغم تناقضاته؟
خطر التحالف لا يكمن فقط في قدرته الحالية على إسقاط الحكومة، وإنما في تحويل أزمات إثيوبيا المنفصلة إلى حرب واحدة متعددة الجبهات.
فتيغراي تضغط من الشمال، وفانو تستنزف الحكومة في أمهرة، وجيش تحرير أورومو قادر على توسيع المعارك داخل أكبر أقاليم البلاد، بينما تمنح حركات عفر وبني شنقول وأوجادين الصراع امتدادًا إلى الممر التجاري نحو جيبوتي، والحدود السودانية، ومناطق الغاز شرقي البلاد.
لكن نقطة قوته هي نفسها نقطة ضعفه. فالجماعات المتحالفة تختلف على الأراضي والحدود والسلطة، وبعضها قاتل بعضًا قبل سنوات قليلة. كما لا توجد قيادة عسكرية مشتركة أو رؤية متفق عليها لما سيحدث إذا سقط آبي أحمد.
وبالتالي يبدو التحالف في الوقت الحالي أقرب إلى ائتلاف لإسقاط النظام، وليس ائتلافًا جاهزًا لحكم الدولة.
الخلاصة
يواجه آبي أحمد أخطر تحدٍ منذ انتهاء حرب تيغراي، لكنه لا يواجه حتى الآن جيشًا موحدًا من سبع جماعات. ما يواجهه هو ثلاث قوى مسلحة رئيسية تخوض القتال، تحيط بها حركات وفصائل تقدم غطاءً سياسيًا وجغرافيًا أوسع.
ولا توجد أدلة منشورة تكفي للجزم بأن مصر أو السودان يسلحان التحالف، بينما تبدو الصلة الإريترية أكثر وضوحًا من الناحية السياسية واللوجستية، لكنها تظل موضع اتهام تنفيه أسمرة.
الحرب الحالية إذن ليست مجرد تمرد داخلي جديد، بل نقطة التقاء بين أزمة الدولة الفيدرالية، والصراع على البحر الأحمر، والحرب السودانية، والتوتر حول سد النهضة، والتنافس الإقليمي في القرن الأفريقي. وإذا نجح التحالف في تجاوز تناقضاته، فقد يتحول إلى تهديد وجودي لحكم آبي أحمد. أما إذا انفجرت خلافاته القديمة، فقد تتحول إثيوبيا من حرب بين الحكومة والمعارضة إلى حروب متداخلة بين مكونات المعارضة نفسها