تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على نحو يفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهة العسكرية، في وقت تتزامن فيه التهديدات السياسية مع تحركات عسكرية وضغوط اقتصادية أمريكية، واستعدادات إيرانية لرفع مستوى التعبئة الداخلية والعسكرية.
وتأتي التطورات الأخيرة وسط استمرار حالة الغموض بشأن مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران، بعدما أبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باب الحوار مفتوحًا، بالتزامن مع تصريحات حادة بشأن الحرب وإمكانية استمرار العمليات العسكرية.
وفي أحدث تصريحاته، قال ترامب إن إيران قد تتمكن من تدمير مدن أمريكية مثل لوس أنجلوس وسان دييجو في سياق الحرب، معتبرًا أن ذلك سيكون «ثمنًا صغيرًا» مقابل ضمان أمن الولايات المتحدة والعالم، مضيفًا أن الحرب قد تنتهي «قريبًا جدًا»، دون أن يحدد المقصود أو يقدم جدولًا زمنيًا واضحًا.
ترامب: أريد انتصارًا كبيرًا على إيران
وخلال كلمة أمام أنصاره في ولاية نبراسكا، قال ترامب إنه يريد رؤية «انتصار كبير» على إيران، معتبرًا أن ذلك سيؤكد صحة الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار بعض السلع يمثل ثمنًا محدودًا مقارنة بما وصفه بضمان أمن الولايات المتحدة والعالم.
وتكتسب تصريحات 'ترامب' أهمية خاصة في ظل استمرار حالة التصعيد، لكنها لا تتضمن في حد ذاتها إعلانًا عن موعد محدد لبدء عملية عسكرية جديدة، كما أن حديثه عن قرب انتهاء الحرب لا يوضح ما إذا كان يقصد انتهاء العمليات العسكرية أم الوصول إلى تسوية سياسية.
اجتماع أمني في كامب ديفيد يبحث خيارات الحرب
وفي مؤشر أكثر أهمية على المستوى العملي، عقد مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية اجتماعًا أمنيًا في كامب ديفيد لبحث تطورات الحرب مع إيران، في وقت تتعثر فيه الاتصالات الدبلوماسية.
وتشير التقارير إلى أن الاجتماع تناول الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة، بما في ذلك احتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة.
ويعكس ذلك استمرار وضع الخيار العسكري على طاولة القرار الأمريكي، دون أن يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بتنفيذ ضربة جديدة.
تحركات عسكرية أمريكية ترفع مستوى القلق
ويتزامن التحرك السياسي مع استمرار الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، وسط تقارير عن تعزيز القوات والقدرات الجوية والبحرية.
وتنظر طهران إلى الوجود العسكري الأمريكي باعتباره عنصر ضغط مباشر، فيما ترى واشنطن أن الانتشار العسكري يمنحها القدرة على الرد السريع في حال تعرض قواتها أو مصالحها لهجوم.
وتزداد حساسية هذه التحركات بسبب انتشار قوات أمريكية في عدد من دول المنطقة، الأمر الذي يجعل أي هجوم كبير على قاعدة أو منشأة أمريكية عاملًا يمكن أن يدفع نحو تصعيد أوسع.
إيران تستعد لرد أوسع
وفي المقابل، تشير تقارير إلى أن القادة الإيرانيين يراجعون خططًا للرد في حال استئناف الضربات الأمريكية، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة ليشمل مصالح وقواعد أمريكية وحليفة في المنطقة.
ويعني ذلك أن أي عملية عسكرية أمريكية جديدة لن تكون بالضرورة محدودة في نطاقها، إذ قد ترد طهران باستهداف مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة أو حلفائها.
وتبقى طبيعة الرد الإيراني من أبرز العوامل التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت المواجهة ستظل محدودة أم تتحول إلى جولة أوسع.
«كتيبة نسائية» في طهران.. استعداد للحرب أم هاجس أمني داخلي؟
وفي تطور لافت، أفادت مصادر إيرانية بإنشاء أول كتيبة نسائية رسمية مسلحة في العاصمة طهران تابعة لقوات الباسيج، ضمن برنامج لتدريب المتطوعين ورفع الجاهزية.
وبحسب التقارير، من المقرر أن تعمل الكتيبة ضمن قوات الاستجابة السريعة، مع تدريب المشاركات على استخدام الأسلحة والمعدات القتالية.
وتقول السلطات الإيرانية إن الخطوة تأتي في إطار برنامج أوسع لتشكيل وحدات دفاعية شعبية ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة أي تصعيد خارجي.
لكن محللين إيرانيين يرون أن الخطوة يمكن أن تحمل بعدًا داخليًا أيضًا، في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها طهران.
تعبئة شعبية تتجاوز الاستعداد العسكري
ولا تقتصر برامج التعبئة الإيرانية على التدريب على استخدام السلاح؛ إذ تشمل بحسب التقارير أمن الأحياء، ومواجهة التجسس، ومراقبة المعلومات، والاستجابة للطوارئ، إضافة إلى تدريبات مرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للطائرات والدروع.
وتشير هذه الإجراءات إلى محاولة السلطات الإيرانية توسيع قاعدة المشاركين في منظومة الأمن والدفاع، خصوصًا في العاصمة والمناطق ذات الأهمية الأمنية.
ويرى مراقبون أن توسيع التعبئة يمكن أن يخدم هدفين متوازيين: الاستعداد لمواجهة خارجية محتملة، وتعزيز السيطرة الأمنية في الداخل.
طهران: لا جدوى من التفاوض في ظل العقوبات والتهديدات
وفي الجانب السياسي، شكك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في جدوى التفاوض مع واشنطن، معتبرًا أن استمرار العقوبات والتهديدات الأمريكية يتعارض مع فكرة الحوار.
وقال بزشكيان إن إيران تعرضت لهجمات بعد إجراء محادثات، معتبرًا أن ذلك يثير شكوكًا بشأن جدوى المسار الدبلوماسي.
وفي الوقت نفسه، أكد استعداد بلاده للحوار والتحقق من برنامجها النووي، مشددًا على أن طهران ترى أن الملف النووي يجب أن يعالج عبر آليات التفاوض والرقابة الدولية.
وتعكس تصريحات بزشكيان استمرار الفجوة بين الطرفين؛ فبينما تصر واشنطن على مواصلة الضغط، تحاول طهران ربط أي تفاوض بوقف العقوبات والتهديدات.
واشنطن تضيق الخناق المالي على إيران
وفي مسار موازٍ، صعدت وزارة الخزانة الأمريكية ضغوطها الاقتصادية على طهران، محذرة المؤسسات المالية الأجنبية من احتمال تعرضها لعقوبات إذا واصلت التعامل مع إيران أو قطاعها المالي.
ودعت الوزارة المؤسسات المعنية إلى اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء تلك التعاملات، في إطار حملة تستهدف تقليص قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
وتستهدف هذه السياسة حرمان طهران من القنوات التي يمكن استخدامها لتمويل أنشطتها، سواء عبر المؤسسات المصرفية الرسمية أو شبكات مالية بديلة.
هرمز.. نقطة الاشتعال الأخطر
ويبقى مضيق هرمز أحد أخطر الملفات في الأزمة الحالية، نظرًا إلى أهميته بالنسبة لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
وتقول طهران إن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتحقيق شروط محددة، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على حرية الملاحة والضغط على إيران في الوقت نفسه.
وقد يؤدي أي حادث عسكري كبير في المضيق، سواء استهدف سفينة أو قوات أمريكية، إلى رفع مستوى المواجهة بصورة سريعة؛ ولهذا، فإن حركة السفن والقواعد والقوات البحرية في منطقة الخليج ستظل من أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة.
هل اقتربت «ساعة الصفر»؟
ورغم تصاعد المؤشرات، لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تسمح بتحديد موعد أو ساعة محددة لبدء ضربة أمريكية جديدة.
لكن المشهد يحمل عددًا من الإشارات التي تجعل احتمالات التصعيد مرتبطة بشكل مباشر بمسار المفاوضات وبأي حادث عسكري كبير.
مؤشرات التصعيد بين أمريكا وإيران
ومن أبرز المؤشرات التي قد تعني اقتراب عملية عسكرية واسعة:
- إجلاء أو تقليص أعداد الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين في المنطقة.
- صدور تحذيرات أمنية أمريكية استثنائية للمواطنين والقوات.
- تحريك مكثف للقاذفات والطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود.
- زيادة غير معتادة في انتشار القطع البحرية الأمريكية.
- إغلاق أو تقييد المجال الجوي في مناطق قريبة من مسرح العمليات.
- إصدار إنذار أمريكي نهائي ومحدد المدة لطهران.
- وقوع هجوم كبير على قوات أو قواعد أمريكية.
- انهيار قنوات الوساطة بين واشنطن وطهران.
بين الحرب والتفاوض.. المنطقة أمام مسارين
وتبدو الأزمة في الوقت الحالي عالقة بين مسارين متناقضين: مسار عسكري يزداد استعدادًا، ومسار دبلوماسي لم يُغلق بصورة نهائية؛ فالولايات المتحدة تستخدم العقوبات والانتشار العسكري والتهديد بالتصعيد للضغط على طهران، بينما تحاول إيران الحفاظ على أوراقها التفاوضية مع الاستعداد لرد عسكري إذا تعرضت لهجوم جديد.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن السؤال لم يعد فقط: «هل ستندلع مواجهة جديدة؟»، وإنما أصبح: هل تنجح الاتصالات السياسية في منع الانتقال إلى جولة عسكرية أوسع؟
ماذا يعني التصعيد بالنسبة للمنطقة؟
وأي مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران لن تقتصر تداعياتها على الطرفين؛ بل يمكن أن تمتد إلى الخليج والعراق وسوريا والبحر الأحمر وشرق المتوسط، إضافة إلى أسواق الطاقة والنقل البحري.
كما أن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز قد ينعكس سريعًا على حركة النفط والتأمين والشحن، بينما يمكن للهجمات على القواعد الأمريكية أو المصالح المرتبطة بواشنطن أن توسع دائرة الاشتباك.
وفي ظل هذه التطورات، تظل المفاوضات والوساطات القائمة هي العامل الأبرز القادر على منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، بينما يمثل أي هجوم كبير أو انهيار مفاجئ لقنوات الاتصال نقطة تحول محتملة في مسار الأزمة.
وبالتالي، فإن الحديث عن «ساعة صفر» محددة يظل سابقًا لأوانه، لكن تراكم التحركات العسكرية والضغوط الاقتصادية والتعبئة الإيرانية يجعل أي تطور ميداني كبير قادرًا على تغيير المشهد خلال وقت قصير.