ads
ads

“نحن جياع”.. احتجاجات المعيشة تزحف من الأطراف إلى قلب إيران

متظاهرة في ايران
متظاهرة في ايران

تشهد إيران تصاعداً ملحوظاً في موجة احتجاجات جديدة، اتسعت رقعتها من المدن الكبرى إلى الأقاليم والبلدات الفقيرة، مدفوعة بتدهور غير مسبوق في مستويات المعيشة وارتفاع أسعار الغذاء والخبز، في تحول يعكس انتقال مركز الغضب الاجتماعي من الطبقة الوسطى الحضرية إلى الأطراف المهمشة.

ففي محافظات مثل لرستان وكرمانشاه وإيلام، حيث ترتفع معدلات البطالة وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة أسرع، باتت أزمة الخبز والغذاء عنواناً يومياً للاحتجاج. ويقول مشاركون إن الصراع لم يعد يدور حول قضايا اجتماعية أو ثقافية، بل حول “النجاة” وتأمين الحد الأدنى من العيش.

في مدينة بروجرد غرب البلاد، التي يقطنها نحو 230 ألف نسمة، تروي ليلى، وهي خريجة جامعية في الثلاثين من عمرها، كيف تعيش مع شقيقتها على معاش والدتهما الشهري الذي لا يكاد يغطي الطعام والدواء. وتؤكد أن فرص العمل شبه معدومة، وأن تأمين الخبز تحول إلى “معركة يومية”، في ظل قفزات حادة في الأسعار.

هذا الإحساس المتراكم باليأس انفجر خلال الأسابيع الأخيرة في احتجاجات وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، مع فارق جوهري يتمثل في انتقال الثقل من مراكز المدن إلى الأحياء الفقيرة والبلدات الإقليمية. وخلال الأيام الماضية، ردد محتجون في بروجرد ومدن أخرى شعارات مناهضة للنظام ومرشده الأعلى، في مشهد غير مسبوق في بعض هذه المناطق.

وسرعان ما تحولت التظاهرات إلى مواجهات مع قوات الأمن، استخدمت خلالها قنابل الغاز المسيل للدموع، وتحدث محتجون عن إطلاق نار حي وخرطوش. وأُعلن عن سقوط قتلى وجرحى واعتقال العشرات، فيما تبقى الحصيلة النهائية غير واضحة في ظل تضارب الروايات.

وفي غرب البلاد، نشر ناشطون مقاطع مصورة تظهر إصابات قالوا إنها نتيجة استخدام القوة المفرطة. وعبّر محتجون عن غضبهم بعبارات مباشرة، مؤكدين أن مطالبهم تقتصر على لقمة العيش وفرص العمل، وأن الرد الأمني عمّق الشعور بالظلم بدل احتوائه.

خارجيّاً، تتابع أطراف إقليمية ودولية التطورات عن كثب، في وقت يصف فيه مراقبون الوضع الإيراني بأنه من أكثر مراحله هشاشة. وتزامنت الاحتجاجات مع تحذيرات أمريكية وتوترات إقليمية، ما زاد مخاوف الإيرانيين من انزلاق البلاد إلى تصعيد أوسع.

اقتصادياً، تعاني إيران منذ سنوات من العقوبات وسوء الإدارة والفساد، إلا أن الضغوط اشتدت بعد حرب يونيو، إذ فقدت العملة المحلية نحو 40% من قيمتها، وارتفع التضخم السنوي إلى مستويات قياسية. وقفزت أسعار الغذاء والخبز بنسب فاقت قدرة الأسر الفقيرة على التحمل، ما جعل الأزمة أشد قسوة في المدن الصغيرة مقارنة بالعاصمة.

ويرى محللون أن ما يجري يمثل “انتفاضة الأطراف ضد المركز”، تقودها فئات لا تملك تمثيلاً سياسياً ولا تحظى باهتمام رسمي، حيث يتحول التضخم إلى أرقام ثلاثية عندما يتعلق الأمر بالسلع الأساسية.

وبدأت شرارة الاحتجاجات بإضرابات لتجار في طهران أواخر ديسمبر، قبل أن تمتد إلى الجامعات ثم إلى الأقاليم. كما تحولت جنازات الضحايا إلى نقاط اشتعال جديدة، شهدت شعارات مناهضة للنظام وتجمعات واسعة.

في المقابل، أقرت السلطات بوجود ضغوط معيشية، لكنها نسبت الاضطرابات إلى “تدخل خارجي”، وأعلنت توقيف من وصفتهم بقادة الاحتجاجات. كما شددت على عدم تقديم تنازلات، ملوّحة بإجراءات أكثر صرامة.

حكومياً، شرعت إدارة الرئيس مسعود بزشكيان في تعديل سياسات الدعم، عبر استبدال آليات قديمة متهمة بتغذية الفساد بدعم مباشر للأسر. وأُعلن عن قسائم غذائية شهرية تشمل غالبية السكان، إضافة إلى وعود بقروض منخفضة الفائدة للأسر الأشد فقراً. غير أن هذه الإجراءات وُصفت في المناطق المنكوبة بأنها “محدودة ومتأخرة”، في ظل تراجع الإيرادات وانكماش الاقتصاد.

في لرستان، حيث ترتفع البطالة إلى مستويات قياسية، يرى سكان أن الدعم لا يواكب حجم الأزمة. وتقول ليلى إن القسائم الغذائية “لا تكفي لشراء الأرز”، متسائلة عن بقية الاحتياجات، من دواء وعلاج ومصاريف يومية. وتختم بمرارة: “نحن لم نعد فقراء فقط… نحن أصبحنا تحت مستوى الفقر الذي عشنا تحته دائماً”.

في ظل غياب قيادة واضحة للاحتجاجات، واستمرار التدهور الاقتصادي، تبدو إيران أمام مفترق طرق صعب، حيث يتقاطع الغضب الاجتماعي مع الضغوط السياسية والأمنية، من دون مؤشرات قريبة على انفراج حقيقي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً