واصلت أسعار الذهب ارتفاعها القياسي، مخترقة حاجز 5300 دولار للأونصة في العقود الآجلة لأول مرة خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مدفوعة بهبوط الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى في نحو أربع سنوات، بالتزامن مع تزايد المخاوف الجيوسياسية وترقب الأسواق قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن السياسة النقدية.
وارتفعت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 4.12% ليصل إلى 5,294.65 دولار للأونصة، ليصعد بذلك بأكثر من 22% منذ بداية العام. كما قفزت العقود الأميركية الآجلة للذهب لشهر فبراير بنسبة 3.61% إلى 5305.7 دولار للأونصة، وفقاً لوكالة “رويترز”.
وفي المعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.9% إلى 115.11 دولاراً للأونصة، بعد أن سجلت أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 117.69 دولاراً مطلع الأسبوع. وقفزت الفضة بنحو 60% منذ بداية العام.
كما صعد البلاتين بنسبة 2% إلى 2692.60 دولاراً للأونصة، بعدما بلغ مستوى قياسياً عند 2918.80 دولاراً يوم الاثنين، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 1.4% إلى 1961.68 دولاراً.
من جانبه قال الدكتور محمد عبد الوهاب، المحلل الاقتصادي والمستشار المالي، إن الذهب يشهد حالة استثنائية من الطلب في الوقت الراهن، مع تجاوز السعر العالمي حاجز 5000 دولار للأونصة:
«تخطي الذهب مستوى 5000 دولار يعكس قوة الاتجاه الصعودي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي العالمي. المستثمرون والمؤسسات يبحثون عن الأمان والقيمة الحقيقية، ويعتبر الذهب الوسيلة التقليدية لهذا التحوط.»
وأضاف عبد الوهاب، أن الذهب لا يتحرك في فراغ، بل يتأثر بمجموعة من القوى الاقتصادية الكبرى، مضيفًا: «العوامل التي تدفع الذهب صعودًا تشمل ارتفاع طلب البنوك المركزية على المعدن كأداة احتياطي، زيادة مشتريات المستثمرين للملاذات الآمنة، واستمرار المخاوف من ضعف النمو العالمي، موضحاً أنه إذا استمر هذا الزخم، فإن الذهب يمكن أن يصل إلى مستويات 6000 دولار للأونصة قبل نهاية النصف الأول من 2026.»
وأشار إلى أن توقعات صعود الذهب تتماشى مع بعض النظريات الاقتصادية والتحولات في الهيكل الاستثماري العالمي، إذ يتجه جزء كبير من رؤوس الأموال إلى الأصول ذات القيمة الحقيقية في ظل مخاطر غير مسبوقة في الأسواق المالية.
السوق المصري بين العالمي والمحلي
وأوضح عبد الوهاب أن السوق المحلية في مصر تتأثر بشكل قوي بحركة الأسعار العالمية وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري، كما أن الطلب المحلي على الذهب يرتبط بعوامل ثقافية واستثمارية إلى جانب ما يواجهه المستثمرون من تغيرات في العائدات الحقيقية لأدوات الادخار البديلة.
وأشار عبد الوهاب، إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الذهب عالميًا سيقود إلى زيادة في أسعار المشغولات الذهبية والسبائك المحلية، لا سيما في الفئات الأكثر تداولاً مثل عيار 21، وهو ما يدفع بعض المستثمرين إلى تنويع محافظهم بين السبائك – الجنيهات الذهب – شهادات الادخار الذهبية.
ومن المتوقع أن يظل الذهب ممثلًا رئيسيًا لمخاطر التحوط خلال 2026، خصوصًا إذا تراجعت مؤشرات النمو العالمي، أو ظهرت توسعات في برامج التيسير النقدي في الاقتصادات الكبرى، ما يعزز قيمة المعدن كأصل لا يدر عائدًا لكنه يحتفظ بقيمته في فترات الاضطراب.
وأكد عبد الوهاب أن أي تصحيحات مؤقتة في الأسعار لن تعني انقلاب الاتجاه الصعودي، وإنما يمكن اعتبارها فرصة للمستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم، متابعًا: «الذهب في 2026 ليس فقط سجلًا تاريخيًا، بل استجابة من الأسواق لمدى تعقد التوازن بين النمو والسياسات النقدية العالمية.»
وقال كبير محللي الأسواق في شركة OANDA كيلفن وونغ إن صعود الذهب يرتبط بـ”العلاقة العكسية القوية بينه وبين الدولار”، مشيراً إلى أن المكاسب الكبيرة التي سجلها المعدن أمس في السوق الأميركية جاءت بعد تعليق من الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تراجع الدولار، ما اعتُبر إشارة إلى توافق داخل البيت الأبيض بشأن تفضيل ضعف العملة.
وتراجع الدولار إلى مستويات تُوصف بأنها “أزمة ثقة”، بعد هبوطه لقرابة أدنى مستوى في أربع سنوات، مع تزايد عمليات البيع عقب تصريح ترامب بأن “قيمة الدولار جيدة”، عندما سُئل عمّا إذا كان يعتقد أن العملة تراجعت أكثر من اللازم.
وجاء ضعف العملة الأمريكية أيضاً في ظل بيانات أظهرت تراجع ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من 11 عاماً ونصف في يناير، متأثرة بتباطؤ سوق العمل وارتفاع الأسعار.
وأشار ترامب إلى أنه سيعلن قريباً اختياره لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، متوقعاً أن تتراجع أسعار الفائدة عندما يتولى الرئيس الجديد منصبه. ومن المقرر أن يُبقي “الفيدرالي” على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه لشهر يناير اليوم.
وقالت “دويتشه بنك” الثلاثاء إن المعدن الأصفر قد يصعد إلى 6000 دولار للأونصة بحلول 2026، مدعوماً باستمرار الطلب الاستثماري واتجاه البنوك المركزية والمستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من الأصول غير الدولارية والملموسة.