في عالم الاقتصاد، لا تُقاس نهاية الحروب بعدد البيانات السياسية، وإنما بما تتركه على شاشات البورصات وأسعار السلع الاستراتيجية. وبالنسبة لمصر، كان النفط هو المؤشر الأسرع في التعبير عن هذا التحول.
قبل أسابيع قليلة، كانت الأسواق تتعامل مع احتمال نقص الإمدادات باعتباره سيناريو قائمًا، فارتفعت أسعار الخام بصورة حادة مع كل تطور عسكري جديد، وقفزت تكلفة شراء الطاقة بالنسبة للدول المستوردة، بينما كانت الحكومات تراجع حساباتها المالية يومًا بعد آخر.
تراجع سعر الدولار
اليوم تبدو الصورة مختلفة. فمع انحسار التوتر وعودة حركة الإمدادات، عاد خام برنت ليتداول بالقرب من 70 دولارًا للبرميل، وهو مستوى يقل عن السعر الذي اعتمدته الحكومة المصرية عند إعداد موازنة العام المالي الجديد، والمحدد عند 75 دولارًا للبرميل.
ورغم أن الفارق الظاهر لا يتجاوز 5 دولارات في البرميل، فإن دلالته المالية أكبر من حجمه الرقمي، لأن كل دولار ينخفض من متوسط أسعار النفط ينعكس على تكلفة استيراد الخام والمنتجات البترولية، ويمنح الدولة مساحة أوسع في إدارة مواردها الدولارية.
سعر برميل النفط
وخلال ذروة الأزمة، لامست أسعار النفط مستويات قاربت 126 دولارًا للبرميل، أي بزيادة تقارب 51 دولارًا عن السعر الذي بُنيت عليه الموازنة المصرية. ولو استقرت الأسعار عند تلك المستويات لفترة طويلة، لكانت فاتورة الطاقة أكثر ضغطًا على الإنفاق العام، خاصة مع ارتفاع الطلب المحلي خلال أشهر الصيف.
لكن التطورات الأخيرة غيرت اتجاه المؤشر بالكامل. فالفرق بين قمة الأزمة والسعر الحالي يقترب من 55 دولارًا للبرميل، وهو انخفاض يوازي نحو 44% من أعلى المستويات التي سجلها النفط أثناء التصعيد.
ولا تقتصر الاستفادة على فاتورة شراء الوقود فقط، بل تمتد إلى قطاعات أخرى تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الطاقة، مثل النقل والصناعة والخدمات اللوجستية، وهو ما يساعد تدريجيًا في تخفيف الضغوط التضخمية إذا استقرت الأسعار العالمية عند مستوياتها الحالية.
وتبدو أهمية هذا التراجع أكبر إذا وضعناه في سياق الموازنة العامة؛ فالحكومة لم تبنِ تقديراتها على أسعار استثنائية أو متفائلة، وإنما على متوسط يبلغ 75 دولارًا للبرميل وسعر صرف 47 جنيهًا للدولار. وبالتالي، فإن بقاء النفط دون هذا المستوى يمنح السياسة المالية هامشًا أفضل للتحرك دون تحمل أعباء إضافية غير محسوبة.
ورغم ذلك، فإن الأسواق لم تغلق ملف المخاطر بالكامل. فالنفط ما زال من أكثر السلع ارتباطًا بالتطورات الجيوسياسية، وأي اضطراب جديد في طرق الإمداد قد يدفع الأسعار للصعود مرة أخرى. لذلك يبقى الرهان الحقيقي ليس على هبوط مؤقت، وإنما على استمرار الاستقرار بما يسمح بتحول الانخفاض الحالي إلى مكسب اقتصادي مستدام.
التسلسل بالأرقام
75 دولارًا: السعر الذي اعتمدته الحكومة في موازنة 2026/2027.
47 جنيهًا: سعر صرف الدولار في تقديرات الموازنة.
نحو 126 دولارًا: أعلى مستوى اقترب منه خام برنت خلال التصعيد.
70 دولارًا: متوسط السعر الحالي لخام برنت.
5 دولارات: انخفاض السعر الحالي عن تقديرات الموازنة.
55 دولارًا: مقدار التراجع من ذروة الأزمة حتى المستويات الحالية.
44%: نسبة انخفاض خام برنت مقارنة بذروة الارتفاع.