في خطوة رقابية وقضائية متسارعة حبست لها أنفاس مجتمع المال والأعمال في مصر، أصدر البنك المركزي المصري توجيها صارما لكافة البنوك العاملة في البلاد بمنع رجل الأعمال البارز محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة شركة "إيفرجرو" للأسمدة المتخصصة، و22 فردا من أفراد عائلته، من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم.
وجاء هذا القرار الرقابي الحاسم استنادا إلى قرار رسمي صادر من النائب العام المصري، على خلفية تعثر رجل الأعمال وعائلته في سداد مديونيات ضخمة مستحقة للجهاز المصرفي تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات. هذا الإجراء القانوني المفاجئ أعاد تسليط الضوء على واحد من أعقد وأضخم ملفات التعثر الائتماني في البلاد، وطرح تساؤلات حتمية حول كواليس الصراع الرقمي بين البنوك والشركة، ومستقبل واحدة من أكبر قلاع صناعة الأسمدة في منطقة الشرق الأوسط.
وقد شهدت كواليس الائتمان المصرفي حالة من الجدل الكثيف حول الحجم الحقيقي لديون "حوت الأسمدة"، حيث كشفت مصادر مصرفية مطلعة أن مديونية الخشن الإجمالية تضخمت لتصل إلى نحو 40 مليار جنيه مصري "ما يعادل قرابة 805 ملايين دولار أمريكي" مستحقة لصالح تحالف مصرفي عريض يضم نحو 36 بنكا عاملا في السوق المحلية.
وكان البنك المركزي قد أعلن في وقت سابق عن نجاح هذا التحالف البنكي الدائن في إبرام اتفاقية لإعادة هيكلة المديونية، مشيرا إلى أن الاتفاق يكفل استيفاء كامل المديونيات شاملة العوائد مع الحصول على الضمانات الكافية لتغطية تلك التسهيلات.
ونفت شركة "إيفرجرو" دقة الأرقام المتداولة واصفة إياها بغير الدقيقة، وأكدت في بيان سابق لها أن المديونية الأصلية لا تتجاوز 11.8 مليار جنيه فقط، مرجعة تضخم الرقم إلى زيادة الفوائد المصرفية والصدمات الاقتصادية العالمية، فضلا عن القفزات الجنونية في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، والذي تحرك من 15.7 جنيه للدولار عام 2021 إلى حدود 54 جنيها في مارس 2026، مما ضاعف كلفة الدين المقوم بالعملة الأجنبية.
ويعد محمد الخشن، المولود عام 1950 في محافظة المنوفية، أحد أبرز الوجوه العصامية في قطاع الزراعة المصري؛ حيث تخرج في كلية الزراعة وبدأ مسيرته المهنية البسيطة كمسوق أسمدة محلي، قبل أن يؤسس شركة "إيفرجرو" للأسمدة المتخصصة عام 2006.
وتحول هذا الكيان سريعا إلى عملاق إقليمي يمتلك 4 مصانع كبرى تساهم في توفير جزء كبير من احتياجات السوق المصرية من المركبات الكيميائية الخاصة بالزراعة مثل سلفات البوتاسيوم، ويوريا فوسفات، ونترات الكالسيوم والماغنيزيوم.
وتتمتع المجموعة بثقل استراتيجي واقتصادي هائل، حيث تصل القيمة الاستبدالية لأصولها إلى نحو 62 مليار جنيه طبقا لتقييم أغسطس 2025، في حين يؤكد مستشاروها القانونيون أن الأصول الحالية تتجاوز الـ100 مليار جنيه. كما يستوعب هذا الكيان الضخم أكثر من 5000 عامل، وتصل قيمة مبيعاته السنوية إلى 12 مليار جنيه، تتضمن حصيلة تصديرية قوية تبلغ 120 مليون دولار إلى أكثر من 80 دولة حول العالم.
ولم تقتصر أصداء هذه القضية على أروقة البنوك والجهات الرقابية والمصرفية، بل امتدت بقوة إلى ساحات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي نظرا للمكانة الاجتماعية والحياة الشخصية لرجل الأعمال، كونه متزوجا من الإعلامية المعروفة أسما إبراهيم، مقدمة برنامج "حبر سري".
وعقب تداول أنباء المديونية والتحفظ، حرصت الإعلامية على توجيه رسالة دعم علنية ومباشرة لزوجها عبر حساباتها الرسمية، أعربت خلالها عن ثقتها المطلقة فيه وإخلاصه لعمله ووطنيته وحرصه الشديد على شركته وعمالها. وأعلنت العائلة رسميا عن توكيل المحامي البارز خالد أبو بكر لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة ضد ما وصفته بالأخبار المضللة والشائعات التي تستهدف السمعة التجارية للمجموعة، ومطالبة بضرورة فتح تحقيق بشأن تسريب المعلومات غير الدقيقة حماية لمناخ الاستثمار والدفاع عن الكيانات الإنتاجية القائمة التي تدعم الاقتصاد القومي وتوفر آلاف فرص العمل.
ويضع قرار التحفظ الصارم الصادر من النائب العام وتوجيهات البنك المركزي المصري الأخيرة علامة استفهام كبرى حول مستقبل تشغيل مصانع المجموعة وقدرتها على الصمود الائتماني والتشغيلي في ظل تجميد الحسابات والتصرف في الأموال.
وبينما يسعى القضاء والقطاع المصرفي لضمان أموال المودعين وحق الدولة واسترداد المديونيات وفق الأطر القانونية، تأمل الأوساط الاقتصادية والصناعية في الوصول إلى تسوية متوازنة تحمي الشريان الإنتاجي للشركة، وتحافظ على حقوق آلاف الأسر العاملة في هذا الكيان الاستراتيجي، بما يضمن عدم توقف الإنتاج المحلي للأسمدة في مرحلة دقيقة تتطلب دفع عجلة الصناعة الوطنية.