أعلن البنك المركزي المصري عن النتائج الرسمية لأداء ميزان المدفوعات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري (الفترة من يوليو إلى مارس)، كاشفاً عن تمكن الاقتصاد المحلي من كبح العجز الكلي وتحسينه بمعدل 2.9% ليقتصر على نحو 1.82 مليار دولار، مقارنة بـ 1.87 مليار دولار في الفترة المناظرة من العام المالي السابق.
وجاء هذا التحسن الإجمالي مدفوعاً بمرونة واضحة في مصادر النقد الأجنبي المستدامة، وفي مقدمتها الطفرة القياسية لتحويلات العاملين بالخارج، والأداء القوي للاستثمار الأجنبي المباشر الذي استفاد من الصفقات التنموية الكبرى، مما أسهم في امتصاص صدمات جيوسياسية حادة أدت إلى خروج تدفقات ضخمة من محفظة الأوراق المالية (الأموال الساخنة) وضغوط تجارية متزايدة.
الفجوة التجارية وعجز الحساب الجاري
على الجانب الآخر، تسببت الضغوط الاستيرادية في اتساع عجز حساب المعاملات الجارية ليسجل نحو 14.57 مليار دولار. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بشكل أساسي بـ:
الميزان التجاري السلعي: الذي سجل زيادة في العجز بنسبة 24.6% ليصل إلى 47.75 مليار دولار.
القطاع غير البترولي: ارتفع عجز الميزان غير البترولي بمعدل 23.8% ليبلغ 34.7 مليار دولار، بعد أن قفزت المدفوعات عن الواردات غير البترولية بنسبة 15.6% لتسجل 61.9 مليار دولار، على الرغم من نمو الصادرات غير البترولية لتصل إلى 27.25 مليار دولار.
القطاع البترولي: تعمق العجز بنسبة 26.8% ليسجل 13.1 مليار دولار جراء قفزة الواردات البترولية إلى 17.32 مليار دولار، لتلبية احتياجات الطاقة المحلية، في حين استقرت صادرات البترول عند 4.22 مليار دولار.
صمامات الأمان: التحويلات والسياحة وقناة السويس
لعبت البنود الخدمية والتحويلات دور المصدّ الرئيسي لحماية الميزان الإجمالي من التفاقم، وجاءت أبرز المؤشرات كالتالي:
تحويلات المصريين بالخارج: سجلت قفزة تاريخية بنسبة 32% لتصل إلى نحو 34.9 مليار دولار، صعوداً من 26.4 مليار دولار، لتمثل المورد الأكبر الداعم للمعاملات الجارية.
الفائض الخدمي: ارتفع ميزان الخدمات ليحقق فائضاً قدره 12.88 مليار دولار، بفضل نمو الإيرادات السياحية بمعدل 14.9% لتنعش الخزانة بنحو 14.4 مليار دولار.
قناة السويس: بدأت حركة الملاحة تستعيد جزءاً من مستوياتها السابقة؛ حيث ارتفعت حصيلة رسوم المرور بمعدل 22.1% لتسجل 3.22 مليار دولار (مقابل 2.64 مليار دولار في الفترة المناظرة).
حراك الاستثمار المباشر وضغوط "الأموال الساخنة"
شهد الحساب الرأسمالي والمالي تحولات هيكلية لافتة، عكست مرونة واضحة في جذب التدفقات الرأسمالية الطويلة الأجل مقابل تراجع الأدوات قصيرة الأجل:
الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI): قفز صافي التدفق للداخل ليبلغ نحو 13.03 مليار دولار. وجاءت القطاعات غير البترولية في الصدارة بجذب تدفقات صافية بلغت 13.5 مليار دولار (تأسيس شركات وتوسعات رؤوس أموال)، وتضمنت هذه الأرقام نحو 3.5 مليار دولار تدفقات واردة خلال الربع الثاني ضمن تنفيذ صفقة 'علم الروم' الاستثمارية الكبرى، بينما سجل قطاع البترول صافي تدفق للخارج قدره 482.4 مليون دولار كمحصلة لاسترداد التكاليف من الشركاء الأجانب.
استثمارات المحفظة (الأموال الساخنة): تحولت إلى صافي تدفق للخارج بلغ نحو 4.44 مليار دولار (مقابل صافي دخول بـ 2.14 مليار دولار سابقاً)، متأثرة بشكل مباشر بالاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية؛ حيث شهد الربع الأخير وحده (يناير/مارس) خروج موجة بيعية كثيفة بلغت نحو 9.5 مليار دولار مع تصاعد الصراع في المنطقة.
التمويل الخارجي وحساب الاحتياطي
وفيما يتعلق ببنود التمويل الأخرى، أظهر تقرير البنك المركزي تحول القروض والتسهيلات متوسطة وطويلة الأجل إلى صافي استخدام للداخل بقيمة 2.7 مليار دولار (مقارنة بصافي سداد بلغ 2.6 مليار دولار في الفترة السابقة)، في حين سجلت الالتزامات الأجنبية على البنك المركزي انخفاضاً تمثل في صافي تدفق للخارج بقيمة 1.7 مليار دولار.
واختتم البنك المركزي تقريره بالإشارة إلى أن المحصلة النهائية لكافة هذه المعاملات الاقتصادية والمالية مع العالم الخارجي، جنباً إلى جنب مع بند صافي السهو والخطأ الذي سجل 2.87 مليار دولار، قد انعكست في صورة تراجع طفيف ومحدود في الأصول الاحتياطية الأجنبية للبنك المركزي المصري بقيمة العجز الكلي البالغة 1.82 مليار دولار طوال أشهر العرض التسعة.