تحدث الدكتور الشحات العزازي، من علماء الأزهر الشريف، عن جيل تربوا على أيدي أصحاب رسول الله سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، موضحًا أن هذه القرون الثلاثة فيها الخيرية، وأن أصحاب سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم الذين تربوا على يديه كان يتعهدهم بالرعاية والنصيحة والتربية والتوجيه، وكان القرآن الكريم يتنزل فكانوا يستمعون للقرآن الكريم من فم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعايشوا حضرته وانعكست على قلوبهم أنوار النبوة، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه وبقي الصحابة يعلمون الدنيا كيف يصل الإنسان إلى رضا الرحمن.
خلال حلقة برنامج "مع التابعين"، المذاع على قناة الناس اليوم، أوضح أن من تعلم من هؤلاء الصحابة فاتهم أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن منهم من أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه وتحدث عنه، بل إن منهم من ذكره النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، ومنهم أويس بن عامر، حيث روى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقدم عليكم رجل من أمداد أهل اليمن، رجل من أصول يمنية من مراد ثم من قرن، فذكر الأصل والبيت الصغير والعائلة والبلد الذي ينتمي إليه، وفي نهاية الحديث قال لسيدنا عمر رضي الله عنه: فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كل موسم ينادي في الناس: أفيكم أويس بن عامر؟ أفيكم أويس بن عامر؟ ويسأل: هل هنا أحد من أمداد أهل اليمن.
وأشار إلى أنه في أحد المواسم وقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى فنادى في الناس: هل ها هنا أحد من أمداد أهل اليمن؟ فقالوا نعم يا أمير المؤمنين، فلان وفلان وفلان، فقال: فيكم رجل يقال له أويس بن عامر؟ فتعجبوا أن أمير المؤمنين يسأل عن رجل من عامة الرعية وبعيد في أرض اليمن حتى إن أهل بلده كلهم لا يعرفونه، فقام رجل وقال: يا أمير المؤمنين إن لنا رجلًا خلفناه في رحالنا يرعى إبلنا وهو أهون من أن يذكره أمير المؤمنين، فقال: عليّ به، فاستدعوه، ثم ذهب إليه فوجد رجلًا عليه الصوف من أهل البساطة والمسكنة، تظهر عليه علامات الزهد وعلى وجهه أنوار العبادة، قائمًا يصلي والإبل ترعى حوله، وكان مع سيدنا عمر في ذلك الوقت سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وبيّن أنه لما انتهى أويس بن عامر رضي الله عنه من صلاته إذا بأمير المؤمنين يسلم عليه فقال: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام، قال: أنت فلان أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرئت منه إلا موضع درهم من تحت إبطك؟ قال: نعم، قال: لك أم أنت بها بر؟ قال: نعم، فقال له: ادع الله لي، قال: من أنت؟ قال: عمر بن الخطاب وهذا علي بن أبي طالب، فلما رأى سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما قام يقبل رأسيهما ويدعو الله عز وجل أن يجزيهما خير الجزاء.
وأضاف أن سيدنا عمر رضي الله عنه كرر عليه الطلب وذكر له حديث سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلما سمع أويس رضي الله عنه ذلك بكى وقال: أنا أستغفر لك، وفي رواية أخرى قال: والله يا أمير المؤمنين إني لا أدعو لأحد بشخصه ولكن أدعو للمسلمين جميعًا، موضحًا أن أويس بن عامر رضي الله عنه أسلم في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الذي منعه من القدوم إلى المدينة برّه بأمه وحاجتها إليه، فبقي في أرض اليمن ملازمًا لها حتى لحقت بربها، وكان من أهل الزهد والتجرد لله، لا يمد يده لأحد ولا يقبل صدقة من أحد، ويتصدق بما يفيض من عمله، ويفر من الفتن والشهرة، حتى إذا شاع ذكره بين الناس خرج لا يُعرف له مكان، وكان له شأن عجيب في الزهد والعبادة والتجرد لله عز وجل، حتى أثنى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليعلم الناس أن التجرد لله والزهد في الدنيا وبر الوالدين من أعظم ما يرفع العبد عند الله تبارك وتعالى.