ads
ads

عباس شومان: الفقه صناعة ثقيلة لا يقدر عليها إلا من امتلك أدوات النظر في الأدلة واستنباط الأحكام

الدكتور عباس شومان
الدكتور عباس شومان
كتب : أهل مصر

ألقى فضيلة د. عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، اليوم السبت، محاضرة علمية بالجامع الأزهر الشريف، تناول فيها بعمق نشأة علم الفقه وتطوره ومدارسه التاريخية، مؤكدًا أن الفقه يعد أحد أهم العلوم الإسلامية وأكثرها مساسًا بحياة الناس، كونه العلم الذي يبين الأحكام التكليفية لكافة أقوال وأفعال العباد، ويحدد مراتبها بين الحلال والحرام، والمكروه والمندوب والمباح.

وأوضح فضيلته خلال محاضرته ضمن «البرنامج العلمي النوعي للطلاب الوافدين» بالجامع الأزهر، أن الفقه في اللغة يعني «الفهم»، لافتًا إلى أن التعريفات اللغوية عادة ما تكون «قليلة المباني كثيرة المعاني»، بينما يأتي التعريف الاصطلاحي عند الفقهاء «كثير المباني قليل المعاني» ليكون جامعًا مانعًا ومحددًا للمراد بدقة، مشيرًا إلى أن الفقه في الاصطلاح هو «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية»، وهي صناعة ثقيلة لا يقدر عليها إلا من امتلك أدوات النظر في الأدلة واستنباط الأحكام.

وفصّل فضيلته الحديث حول طبقات الفقهاء، موضحًا أن أعلى هذه الطبقات هي «المجتهد المطلق» وهم أصحاب المذاهب الفقهية، يليهم المجتهد في المذهب، ثم المجتهد في الأبواب، وصولًا إلى المجتهد في المسائل، مشددًا على أن رتبة المجتهد المطلق من الصعوبة بمكان لدرجة أنها لا تتوفر في عالمٍ الآن على ظهر الأرض، حيث تحتاج إلى تبحر في جملة من العلوم، وكان آخر من امتلك شروطها هو الإمام ابن جرير الطبري صاحب التفسير المعروف.

واستعرض الدكتور شومان الترتيب الزمني للمذاهب الفقهية الأربعة، مؤكدًا ضرورة وعي طالب العلم بهذا الترتيب؛ حيث بدأ بالمذهب الحنفي (ت 150هـ)، ثم المذهب المالكي (ت 179هـ)، ثم الشافعي (ت 204هـ)، وأخيرًا المذهب الحنبلي (ت 241هـ)، لافتًا إلى أن ميلاد الإمام الشافعي كان في نفس العام الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة، وهو ما جعل المؤرخين يقولون: «مات إمام ووُلد إمام».

كما توقف فضيلته عند طبيعة العلاقة العلمية بين الأئمة، موضحًا أن استقلال المذاهب جاء نتيجة امتلاك كل صاحب مذهب «طريقة خاصة» في الاجتهاد، فبالرغم من أن الإمام الشافعي كان تلميذًا للإمام مالك، وتتلمذ على كتب محمد بن الحسن الشيباني (تلميذ أبي حنيفة)، إلا أنه لم يكن مالكيًّا ولا حنفيًّا، بل أوجد لنفسه منهجًا مغايرًا وضعه في مصاف المجتهدين المطلقين، وكذلك فعل الإمام أحمد بن حنبل مع شيخه الشافعي، مما أثمر هذا التنوع الفقهي الثري.

وأكد الدكتور شومان خلال محاضرته أن الفقه وجد منذ عهد النبوة، حيث كان الصحابة يعودون للرسول ﷺ فيما يُوحى إليه، كما أقر النبي ﷺ منهجية الاجتهاد لصحابته عند تعذر وجود نص مباشر، مستشهدًا بواقعة إرسال سيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن، حين سأله النبي ﷺ: «كيف تقضي؟» فقال: «بكتاب الله»، قال: «فإن لم تجد؟» قال: «بُسنة رسول الله»، قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي ولا آلو»، فأقره النبي ﷺ على ذلك، مما يعد بمثابة الأرضية الأولى لعلم أصول الفقه ومعرفة مصادر التشريع.

وفي ختام محاضرته، أشار الدكتور عباس شومان إلى أن الأزهر الشريف يولي اهتمامًا كبيرًا لتمكين الطلاب الوافدين من ناصية العلوم التراثية، لافتًا إلى أن هذه المحاضرة تأتي ضمن «البرنامج العلمي النوعي للطلاب الوافدين» الذي أطلقه الجامع الأزهر الشريف بتوجيهات من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، والذي يضم خمسة تخصصات رئيسية هي (التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه الشافعي، واللغة العربية)؛ تهدف في مجملها إلى بناء ملكة فقهية ولغوية مستقيمة لدى الدارسين، وتدريبهم على التعامل مع كتب التراث دراسة نصية معمقة تؤهلهم ليكونوا سفراء لمنهج الأزهر الوسطي في بلادهم.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً