ads
ads

حين باع القانون الأرض.. كيف غيّرت إصلاحات الدولة العثمانية خريطة الملكية في الشرق الأوسط

العدد الورقي لأهل مصر
العدد الورقي لأهل مصر
كتب : أهل مصر

عندما اعتلى السلطان عبد العزيز الأول عرش الدولة العثمانية عام 1861، كانت الإمبراطورية ما تزال واحدة من أكبر دول العالم، تمتد من البلقان إلى الجزيرة العربية، ومن شمال أفريقيا إلى حدود القوقاز. غير أن هذه المساحة الشاسعة كانت تخفي أزمة عميقة؛ فالخزانة تعاني عجزًا متزايدًا، والجيش يحتاج إلى تحديث شامل، والأسطول البحري يستهلك ميزانيات ضخمة، بينما كانت أوروبا الصناعية تتقدم بسرعة هائلة، لتفرض على “الرجل المريض” إيقاعًا اقتصاديًا وسياسيًا لم يعد قادرًا على مجاراته.

ورث السلطان عبد العزيز دولة مثقلة بالمشكلات، لكنه اختار مواجهة الأزمة بمشروع إصلاحي واسع شمل تحديث الجيش والأسطول، ومد خطوط السكك الحديدية، وتطوير الجهاز الإداري. غير أن هذه المشروعات احتاجت إلى أموال لم تكن متوافرة في الخزانة، ففتحت الدولة أبواب الاقتراض الخارجي على نطاق غير مسبوق، لتتوالى القروض الأوروبية بفوائد مرتفعة، حتى أصبحت خدمة الدين تستنزف جانبًا كبيرًا من موارد الدولة.

وبين عامي 1854 و1875 حصلت الدولة العثمانية على سلسلة من القروض الخارجية من بنوك ومؤسسات مالية أوروبية، كان الهدف المعلن منها تمويل الإصلاحات ومواجهة العجز المالي، إلا أن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ تضخمت الديون بصورة غير مسبوقة، وانتهى الأمر بإعلان الدولة عام 1875 تعليق سداد جانب كبير من التزاماتها المالية، قبل أن تُنشأ لاحقًا إدارة الدين العام العثماني عام 1881، لتخضع قطاعات مهمة من الإيرادات العثمانية لرقابة الدائنين الأوروبيين.

لكن الأزمة المالية لم تكن وحدها ما تغيّر في تلك المرحلة، إذ بدأت إسطنبول تنظر إلى الأرض باعتبارها موردًا اقتصاديًا يجب إعادة تنظيمه. ومن هنا جاءت واحدة من أهم محطات التاريخ العثماني الحديث؛ إصلاح منظومة ملكية الأراضي.

ففي عام 1858 أصدرت الدولة قانون الأراضي العثماني، الذي ألزم بتسجيل الأراضي في سجلات الطابو الرسمية، بهدف إحكام الرقابة على الملكيات، وزيادة حصيلة الضرائب، وتعزيز سلطة الدولة على الأراضي الزراعية. وبعد أقل من عقد، صدر قانون آخر لا يقل أهمية، هو قانون تملك الأجانب للعقارات عام 1867، الذي منح رعايا الدول الأجنبية حق تملك العقارات والأراضي في معظم أنحاء الدولة العثمانية، باستثناء ولاية الحجاز.

لم يكن هذان القانونان محل جدل كبير عند صدورهما، بل قُدِّما باعتبارهما جزءًا من مشروع تحديث الدولة العثمانية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنظيم الإدارة العقارية.

ولم يكن السلطان عبد العزيز، ولا رجال الدولة الذين أشرفوا على هذه الإصلاحات، يدركون أن تلك التشريعات ستتحول بعد عقود إلى أحد أهم الممرات القانونية التي استُخدمت في انتقال ملكية مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية إلى المؤسسات الصهيونية.

ومع مرور السنوات، بدأت النتائج الحقيقية لهذه القوانين تظهر بعيدًا عن إسطنبول، وتحديدًا في الولايات العربية. فقد امتنع آلاف الفلاحين عن تسجيل الأراضي بأسمائهم، خوفًا من الضرائب أو التجنيد أو الرسوم الحكومية، بينما سارع كبار التجار والأعيان والعائلات الثرية إلى تسجيل مساحات واسعة بأسمائهم، لتنشأ لأول مرة طبقة عُرفت تاريخيًا باسم “الملاك الغائبين”؛ وهم ملاك يعيشون في بيروت أو دمشق أو إسطنبول، بينما يزرع الأرض فلاحون يقيمون فيها منذ أجيال.

هنا، لم تعد الأرض مجرد مورد زراعي، بل أصبحت سلعة يمكن تسجيلها، وبيعها، ورهنها، وانتقال ملكيتها بعقود رسمية تحميها الدولة والقانون.

ومن بين تلك الأراضي كانت سهول فلسطين الخصبة، وعلى رأسها مرج بن عامر، التي ستصبح لاحقًا النموذج الأبرز لكيف غيّرت التشريعات العثمانية خريطة الملكية، قبل أن تبدأ المؤسسات الصهيونية في شراء الأراضي بعقود قانونية مسجلة، مستندة إلى المنظومة التي أرستها الدولة العثمانية نفسها.

وهنا تبدأ الحكاية.

العدد الورقي لأهل مصر العدد الورقي لأهل مصر

حين باع القانون الأرض

(2) كيف تغيّرت ملكية الأرض؟

إسطنبول.. ربيع عام 1858

داخل أروقة الباب العالي، لم يكن رجال الدولة العثمانية يناقشون مصير فلسطين، ولا كانوا يرسمون مستقبل الشرق الأوسط. كان السؤال المطروح على طاولة مجلس الدولة أكثر بساطة، لكنه أشد خطورة:

من يملك أرض الدولة؟

كانت الإمبراطورية تعيش واحدة من أصعب مراحلها المالية. سنوات من الحروب، وإصلاحات إدارية وعسكرية باهظة الكلفة، وخزانة لم تعد قادرة على تلبية احتياجات دولة تمتد عبر ثلاث قارات. لم تكن المشكلة نقص الأراضي، بل غياب السيطرة عليها. فالدولة لا تعرف على وجه الدقة من يزرع الأرض، ولا من يدفع الضرائب، ولا من يملك حق التصرف فيها.

ومن هنا، لم يكن إصدار قانون الأراضي العثماني عام 1858 قرارًا سياسيًا بقدر ما كان محاولة لإعادة بناء النظام المالي والإداري للدولة.

المشهد الأول.. الدولة تبحث عن أصحاب الأرض

قبل عام 1858، كانت معظم الأراضي الزراعية في الدولة العثمانية تُصنف ضمن أراضي الميري؛ أي أنها مملوكة للدولة، بينما يحصل الأفراد على حق الانتفاع بها وزراعتها وتوريث حق الانتفاع وفق ضوابط محددة. وإلى جانبها كانت هناك أراضٍ مملوكة ملكية خاصة، وأراضٍ وقفية، وأخرى موات لم تُستصلح بعد.

لكن سجلات الملكية كانت غير مكتملة، وكثير من الأراضي كان يُدار بالأعراف المحلية أكثر مما يُدار بالوثائق الرسمية. وبالنسبة للدولة، كان ذلك يعني شيئًا واحدًا: أراضٍ لا تخضع لرقابة كاملة، وإيرادات ضريبية يصعب حصرها.

لذلك جاء قانون 1858 بهدف إنشاء سجل رسمي للأراضي، عُرف باسم الطابو، ليصبح المرجع القانوني الوحيد لإثبات الملكية وحقوق الانتفاع.

المشهد الثاني.. عندما خاف الفلاح من الطابو

اعتقدت الحكومة العثمانية أن الفلاحين سيتجهون إلى تسجيل أراضيهم فور صدور القانون، لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.

في كثير من الولايات، ومنها فلسطين، تردد آلاف الفلاحين في تسجيل الأراضي بأسمائهم. لم يكن السبب رفض القانون في حد ذاته، وإنما الخوف من نتائجه.

كان تسجيل الأرض يعني بالنسبة لكثيرين:

• ظهور اسم صاحبها في سجلات الضرائب.

• احتمال استدعائه للتجنيد الإجباري.

• دفع رسوم التسجيل.

• خضوعه لرقابة الدولة بصورة مباشرة.

ولهذا فضّل كثير من الفلاحين ترك إجراءات التسجيل لوجهاء القرى أو كبار التجار أو أصحاب النفوذ، أو امتنعوا عنها تمامًا، وهم يظنون أن الأرض ستبقى في حوزتهم كما كانت طوال عقود.

لكن القانون كان يرى الأمر بصورة مختلفة.

المشهد الثالث.. ولادة “المالك الغائب”

وهنا بدأ التحول الحقيقي، بينما بقي الفلاح يزرع الأرض، ظهر على الورق مالك جديد، في المدن الكبرى مثل بيروت ودمشق وإسطنبول، بدأت أسماء عائلات تجارية ومالية بارزة تظهر في سجلات الطابو باعتبارها المالك القانوني لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ولم يكن معظم هؤلاء يقيمون في تلك الأراضي أو يعملون فيها، لذلك أطلق عليهم المؤرخون لاحقًا وصف “الملاك الغائبين” (Absentee Landowners).

وهكذا أصبحت الأرض لأول مرة شيئًا يمكن تداوله قانونيًا بعيدًا عن الشخص الذي يزرعها بالفعل. لقد ظل الفلاح في الحقل، بينما انتقلت الملكية إلى الورق.

المشهد الرابع عام 1867.. عندما تغيرت قواعد اللعبة

إذا كان قانون 1858 قد أعاد تنظيم ملكية الأرض داخل الدولة، فإن قانون 10 يونيو 1867 نقل المسألة إلى مرحلة جديدة، فللمرة الأولى، سمحت الدولة العثمانية لرعايا الدول الأجنبية بتملك العقارات والأراضي في معظم أنحاء الإمبراطورية، باستثناء ولاية الحجاز.

لم يكن القانون إعلانًا لبيع أراضي الدولة، كما يُشاع أحيانًا، ولم ينص على عرض أملاكها في مزادات عامة، لكنه أزال قيدًا قانونيًا كان يمنع انتقال الملكية إلى الأجانب، وبذلك أصبحت الأرض المسجلة في الطابو قابلة للانتقال، وفق العقود والقوانين العثمانية، إلى مشترين لا يحملون الجنسية العثمانية.

لقد تغيّرت قواعد اللعبة القانونية.

المشهد الخامس.. وهنا دخلت فلسطين إلى المشهد

لم تكن فلسطين استثناءً من هذه المنظومة الجديدة، بل كانت إحدى الولايات التي طُبقت فيها قوانين الأراضي والطابو، ومع مرور الوقت، بدأت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تنتقل إلى ملكية كبار الملاك المسجلين في سجلات الدولة، بينما بقي آلاف الفلاحين يعملون فيها دون أن يحملوا سندات ملكية رسمية، وعندما بدأت المؤسسات الصهيونية، في العقود اللاحقة، البحث عن أراضٍ لشرائها داخل فلسطين، وجدت أمامها منظومة قانونية مكتملة: أراضٍ مسجلة، وملاك قانونيون، وعقود بيع يعترف بها القانون العثماني.

لم تبدأ عمليات البيع هنا، لكنها أصبحت ممكنة هنا، وهكذا، قبل أن تُوقَّع عقود مرج بن عامر بسنوات، كانت البيئة القانونية التي ستسمح بتلك العقود قد أصبحت قائمة بالفعل.

وثيقة التحقيق (1)

قانون الأراضي العثماني – 21 أبريل 1858

الهدف المعلن:

* إنشاء سجل رسمي للملكية.

* إحكام الرقابة على الأراضي.

* زيادة الإيرادات الضريبية.

* تنظيم حقوق الانتفاع.

النتيجة التاريخية:

أدى عزوف كثير من الفلاحين عن التسجيل، مقابل تسجيل الأراضي بأسماء كبار الملاك، إلى نشوء طبقة “الملاك الغائبين”، التي لعبت دورًا مهمًا في انتقال ملكية مساحات واسعة من الأراضي لاحقًا.

وثيقة التحقيق (2)

قانون تملك الأجانب – 10 يونيو 1867

الهدف المعلن:

* جذب الاستثمارات الأجنبية.

* تنظيم تملك رعايا الدول الأجنبية للعقارات.

* إخضاع الملكية الأجنبية للقانون العثماني.

النتيجة التاريخية:

فتح القانون الباب القانوني أمام انتقال ملكية الأراضي إلى مشترين أجانب وفق عقود معترف بها داخل الدولة العثمانية، وهو تطور أصبح لاحقًا أحد العوامل التي استفادت منها عمليات شراء الأراضي في فلسطين.

السؤال الذي تقودنا إليه الوثائق

إذا كانت القوانين قد أعادت تشكيل ملكية الأرض، فمن هم الأشخاص الذين أصبحت الأرض تُسجل بأسمائهم؟ ولماذا تحولت عائلة سرسق إلى واحدة من أكبر ملاك الأراضي في مرج بن عامر؟

العدد الورقي لأهل مصر العدد الورقي لأهل مصر

هذا ما تكشفه الصفحة الثالثة

حين باع القانون الأرض

(3) مرج بن عامر.. السهل الذى غيّر تاريخ فلسطين

قبل أن يصبح صفقة.. كان سلة غذاء بلاد الشام، إذا أراد مؤرخ أن يختار قطعة أرض واحدة ليفهم من خلالها تاريخ فلسطين الحديث، فلن يجد مكانًا أكثر تعبيرًا من مرج بن عامر.

فهذا السهل الممتد بين جبال الجليل شمالًا، وجبال نابلس جنوبًا، وجبل الكرمل غربًا، ووادى الأردن شرقًا، لم يكن مجرد مساحة زراعية واسعة، بل كان منذ آلاف السنين أحد أهم الممرات العسكرية والتجارية فى الشرق الأوسط، وأغنى سهول فلسطين إنتاجًا للحبوب والزيتون والبقوليات.

لهذا أطلق عليه الرحالة الأوروبيون فى القرن التاسع عشر اسم 'مخزن حبوب فلسطين'، بينما وصفه بعض الجغرافيين بأنه 'أخصب بقعة زراعية فى بلاد الشام'.

وكانت خصوبة تربته، واتساع مساحته، وموقعه الذى يربط الساحل بالداخل، تجعل السيطرة عليه تعنى السيطرة على قلب فلسطين اقتصاديًا.

لكن هذه القيمة لم تكن فى الأرض وحدها، بل فى البشر الذين عاشوا عليها.

فعشرات القرى الفلسطينية والقبائل الزراعية كانت تعتمد على المرج فى الزراعة والرعى، وكان آلاف الفلاحين يزرعون أرضه موسمًا بعد آخر، بينما ظل النظام القانونى يعتبر معظمها من أراضى “الميرى” التابعة للدولة العثمانية.

المشهد الأول.. كيف خرج المرج من يد الدولة؟

بعد صدور قانون الأراضى عام 1858، ثم مع تعمق الأزمة المالية للدولة العثمانية، بدأت الحكومة تبحث عن وسائل لتعظيم مواردها والتصرف فى بعض الأراضى التى تقع تحت سيطرتها المباشرة.

وفى عام 1872 انتقلت مساحات واسعة من مرج بن عامر إلى عائلة سرسق البيروتية، فى صفقة ما زالت بعض تفاصيلها محل نقاش بين المؤرخين؛ فبعض الدراسات تصفها بأنها بيع مباشر من الحكومة العثمانية، بينما تشير شهادات تاريخية أخرى إلى أنها جاءت نتيجة تسوية مالية أو ضمانات مرتبطة بقروض كانت العائلة قد قدمتها للدولة.

لكن المصادر تتفق على النتيجة: أصبحت عائلة سرسق المالك القانونى لمساحات شاسعة من المرج، وتشير التقديرات الواردة فى الدراسات إلى أن ما امتلكته العائلة تراوح بين 230 ألفًا و400 ألف دونم عبر عمليات متتابعة، وليس فى صفقة واحدة.

المشهد الثانى.. من هم آل سرسق؟

لم تكن عائلة سرسق عائلة زراعية فلسطينية، بل واحدة من أكبر العائلات التجارية والمالية فى بيروت، وارتبط نفوذها بعلاقات واسعة مع الإدارة العثمانية وشبكات المال فى شرق المتوسط.

وكان أفرادها يقيمون فى بيروت وباريس أكثر مما يقيمون فى الأراضى التى امتلكوها، ولهذا صُنفت ضمن ما يسميه المؤرخون “الملاك الغائبين”؛ أى ملاك يحملون سندات الملكية القانونية، بينما يتولى الفلاحون المقيمون على الأرض زراعتها بنظام المشاركة أو الإيجار.

وهنا ظهر لأول مرة الانفصال بين الملكية القانونية والحيازة الفعلية: فالفلاح يحرث الأرض ويحصدها، لكن وثيقة الطابو تحمل اسم شخص آخر.

المشهد الثالث.. عندما بدأ المشروع الصهيونى يبحث عن الأرض

فى أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الحركة الصهيونية تبحث عن أى أرض، بل كانت تبحث عن أرض تحقق ثلاثة شروط:

* واسعة ومتصلة جغرافيًا.

* خصبة وقابلة للزراعة.

* مملوكة قانونيًا لشخص يستطيع البيع.

وكان مرج بن عامر يحقق الشروط الثلاثة.

وقد سجل تيودور هرتزل فى مذكراته عام 1897 وجود مفاوضات لشراء قرى تابعة لعائلة سرسق، بما يعكس أن المرج كان حاضرًا مبكرًا فى التفكير الصهيونى بوصفه منطقة ذات أهمية استراتيجية للاستيطان الزراعى.

المشهد الرابع.. من المفاوضات إلى العقود

لم تتم عمليات البيع دفعة واحدة، بل على مراحل.

* عام 1901 جرت أولى صفقات الشراء الكبرى فى شمال فلسطين من آل سرسق لصالح جهات يهودية استيطانية، وفى 1910 – 1911 عُرفت قضية بيع أراضى الفولة، حيث باع إلياس سرسق نحو 10 آلاف دونم إلى الصندوق القومى اليهودى، وأثارت الصفقة احتجاجات واسعة من الفلاحين والسلطات المحلية فى الناصرة.

وفى 1918 وُقعت اتفاقية لبيع 71,356 دونمًا من مرج بن عامر، شملت منطقة تل عداشيم، عبر شركة تطوير أراضى فلسطين، واستُكملت الإجراءات لاحقًا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبين 1921 و1925 اكتملت صفقات إضافية نقلت مساحات واسعة من المرج إلى مؤسسات صهيونية، لتصبح أكبر عملية انتقال ملكية لأراضٍ من ملاك غائبين إلى مؤسسات استيطانية فى فلسطين خلال تلك الفترة.

المشهد الخامس.. الفلاح الذى لم يبع أرضه

تكشف الوثائق أن كثيرًا من الفلاحين الذين عاشوا فى قرى المرج لم يكونوا أطرافًا فى عقود البيع، لأنهم لم يكونوا المالكين المسجلين فى الطابو، بل كانوا مستأجرين أو مزارعين بحكم العرف.

وعندما انتقلت الملكية القانونية إلى المشترين الجدد، بدأت عمليات إخلاء تدريجية لعدد من القرى والمزارعين، وهو ما شكّل أحد أوائل الاحتكاكات الكبرى بين المشروع الاستيطانى والسكان العرب فى المنطقة.

وثيقة التحقيق (3)

مرج بن عامر بالأرقام

1872: انتقال مساحات واسعة من المرج إلى عائلة سرسق.

1897: هرتزل يشير فى مذكراته إلى مفاوضات حول أراضى سرسق.

1901: أولى صفقات الشراء الكبرى.

1910–1911: صفقة الفولة.

1918: اتفاق بيع 71,356 دونمًا.

1921–1925: استكمال انتقال مساحات واسعة إلى المؤسسات الصهيونية.

يذكر أن الدراسات اختلفت حول الطبيعة القانونية الدقيقة لانتقال أراضى المرج إلى آل سرسق، لكنّها اتفقت على أن العائلة أصبحت المالك القانونى لمساحات شاسعة منه خلال سبعينيات القرن التاسع عشر.

من الدفاتر إلى الخرائطكيف انتقلت الأرض من الفلاح إلى المستثمر.. ثم إلى المشروع الصهيوني؟

شهادة التاريخ

لم تكن نهاية القصة في قانون الأراضي العثماني، بل كانت بدايتها. فبعد تسجيل مساحات واسعة من الأراضي بأسماء ملاك كبار، أصبح من حق هؤلاء التصرف فيها بالبيع أو التنازل، بينما بقي آلاف الفلاحين يزرعون الأرض التي عاش عليها آباؤهم وأجدادهم، لكن دون أن يمتلكوا سندًا قانونيًا يثبت حقهم فيها.

ومع مرور السنوات، انتقلت ملكية مساحات واسعة إلى ملاك يقيم كثير منهم خارج فلسطين، وأصبحت الأرض تُعامل باعتبارها أصلًا عقاريًا قابلًا للبيع والشراء، لا مجرد مورد يرتبط بمن يفلحها ويعيش عليها.

وكانت من أبرز الوقائع التاريخية بيع أجزاء واسعة من أراضي مرج ابن عامر، التي كانت مسجلة باسم عائلة سرسق، وغيرها من العائلات إلى مؤسسات يهودية في بدايات القرن العشرين، وبموجب العقود القانونية انتقلت الملكية، بينما وجد كثير من الفلاحين أنفسهم خارج الأراضي التي ارتبطت بها حياتهم لعقود طويلة.

ومع دخول الانتداب البريطاني، استندت سلطات الانتداب إلى السجلات العقارية القائمة، واستمرت عمليات انتقال الملكية وفق الأطر القانونية المعمول بها آنذاك، وهو ما ساعد على توسع عمليات شراء الأراضي خلال تلك المرحلة.

وهكذا، لم يكن تغيير خريطة الملكيه نتيجة معركه عسكرية، بل سبقته تحول قانونية وإدارية امتدت لعقود، بدأت بتسجيل الأرض في الدفاتر، ثم انتهت بتغير الخرائط على أرض الواقع.

الأرض التى دفعت ثمن القانون والورق

يعلمنا التاريخ أن الأرض لا تضيع في اللحظة التي يغادر فيها أصحابها، بل تضيع عندما يظن أصحابها أن التنازل عنها ليس إلا إجراءً قانونيًا عابرًا، فالورقة قد تنقل الملكية، لكن استعادة الأرض، إذا ضاعت، كثيرًا ما تكتبها الأجيال التالية بدمائها.

العدد الورقي لأهل مصر العدد الورقي لأهل مصر

ويبقى السؤال الأخير..

إذا كانت القوانين قد فتحت الباب، وكانت العقود قد نقلت الملكية، وكانت الأرض قد خرجت من يد الدولة إلى كبار الملاك، ثم إلى المؤسسات الصهيونية، فهل كان يمكن إيقاف هذا المسار؟

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
حين باع القانون الأرض.. كيف غيّرت إصلاحات الدولة العثمانية خريطة الملكية في الشرق الأوسط