تشهد العاصمة الفرنسية ومدن كبرى أخرى موجة واسعة من الاحتجاجات الطلابية والاضطرابات العارمة التي أدت إلى تعطيل نحو ألف مدرسة ثانوية، وسط تصاعد لحدة العنف ومواجهات أمنية أسفرت عن توقيف المئات وإصابة عشرات العناصر الأمنية والطلاب. وتأتي هذه التحركات المحتدمة في توقيت بالغ الحساسية تمر به البلاد، تتداخل فيه الأزمات المالية واختبارات الدين العام مع جدل انتخابي واسع واستقطاب سياسي محتدم بشأن السياسة الخارجية لفرنسا وموقفها من الحرب في أوكرانيا. وأعلن وزير التربية الوطنية إدوار جيفري أن الاحتجاجات أسفرت عن تعطيل نحو ألف ثانوية وإغلاق مئات المؤسسات التعليمية، بينما أكدت وزارة الداخلية توقيف ما يقرب من ألفي شخص، غالبيتهم على خلفية أعمال عنف وتجمهر والاعتداء على قوات الشرطة التي تكبدت عشرات الإصابات في صفوفها. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، ترأس رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو خلية طوارئ حكومية، بالتزامن مع فتح تحقيقات رسمية في ملابسات الإصابات الطلابية، ومطالبة وزير الدل جيرالد دارمانان بتحميل أولياء أمور القاصرين المسؤولية المدنية وإلزامهم بدفع تكاليف الأضرار والتخريب. وانطلقت شرارة هذه الاحتجاجات العمالية والطلابية على خلفية مطالب متصاعدة بتوفير موارد أكبر للقطاع التعليمي وتعويض النقص الحاد في وظائف التدريس، لا سيما مع إعلان نقابات التعليم إلغاء آلاف الوظائف تزامناً مع العام الدراسي الجاري. وفي الوقت الذي سعت فيه الحكومة لاتهام نواب من حزب "فرنسا الأبية" بزعامة جان لوك ميلانشون بتأجيج الشارع والوقوف خلف هذه التحركات، تتشابك المطالب المعيشية مع ضغوط مالية غير مسبوقة؛ إذ أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء بلوغ الدين العام مستويات قياسية تخطت 3595 مليار يورو، مما دفع مئات الآلاف من موظفي القطاع العام للتظاهر للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل. ولا تقتصر تعقيدات المشهد الفرنسي على الجبهة الداخلية، إذ يمتد الاحتقان ليطال السياسة الخارجية وملف دعم كييف وسط تقاطعات انتخابية واضحة تحضيراً لانتخابات رئاسة الجمهورية المقررة عام 2027. وتلتقي توجهات قوى المعارضة ممثلة في اليمين المتطرف ويسار المعارضة على ضرورة إعادة النظر في الدعم الموجه لأوكرانيا والتركيز على الأزمات المحلية، في مقابل مساعي معسكر الأغلبية ووسط اليسار للتمسك بالتحالفات الأوروبية ودعم أوكرانيا، بينما حمّل الرئيس إيمانويل ماكرون روسيا المسؤولية الكاملة عن أزمات الطاقة والتضخم التي تفاقمت في القارة العجوز.
كتب : محمد مختار