ads
ads

من السد العالي إلى النهضة.. رحلة صراع عمره 70 عاما على مياه النيل

سد النهضة
سد النهضة

لم تبدأ أزمة مياه النيل مع الشروع في بناء سد النهضة الإثيوبي في 2011. فجذورها تمتد إلى بدايات القرن العشرين، حين تحول النيل تدريجيًا من مورد طبيعي إلى قضية سيادة وأمن قومي وتنمية بين دول المنبع ودول المصب، فبالنسبة لمصر، مثّل السد العالي في أسوان ذروة مشروع الدولة المصرية للسيطرة على التذبذب السنوي للنهر وتأمين المياه ضد سنوات الفيضان والجفاف، أما إثيوبيا، فكان سد النهضة بالنسبة لها مشروعًا مختلفًا في فلسفته فهو استغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء دون اعتبار نفسها مقيدة باتفاقيات لم تكن طرفًا فيها.

الخمسينيات (السد العالي يغيّر معادلة النيل)

في مطلع الخمسينيات كانت مصر تعتمد على التدفق الطبيعي للنيل وعلى منظومة من الخزانات والقناطر، لكن هذه المنظومة لم تكن توفر تخزينًا طويل الأجل. وتشير وزارة الموارد المائية والري المصرية إلى أن إيراد النيل كان يتذبذب بشدة من عام إلى آخر، من نحو 151 مليار متر مكعب في سنوات الوفرة إلى نحو 42 مليارًا في سنوات الانخفاض، وهو ما دفع إلى التفكير في إنشاء خزان ضخم يسمح بنقل المياه من سنوات الفيضان إلى سنوات الجفاف.

بدأت دراسات مشروع السد العالي عام 1952، وأُقر التصميم عام 1954، ثم تعثرت محاولة تمويله عبر البنك الدولي، قبل أن تدخل مصر في تعاون تمويلي وفني مع الاتحاد السوفيتي. وفي 9 يناير 1960 بدأت المرحلة الأولى من التنفيذ، واكتمل المشروع عمليًا عام 1970، بينما جرى الاحتفال الرسمي بافتتاحه في 15 يناير 1971. وبذلك أصبح السد العالي نقطة تحول لأن مصر انتقلت بفضله من التعامل مع النيل باعتباره نهرًا موسميًا إلى التعامل معه باعتباره مخزونًا استراتيجيًا.

قبل 1959 (الاتفاقيات التي أصبحت أساسًا للنزاع)

في 7 مايو 1929 جرى تبادل مذكرات بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية بشأن استخدام مياه النيل للري، وسجلت الوثيقة في مجموعة معاهدات عصبة الأمم تضمنت اعترافًا بالمصالح والحقوق المصرية، كما تضمنت ترتيبات تتعلق بأي أعمال في النهر أو روافده يمكن أن تؤثر في كمية المياه التي تصل إلى مصر. فالقاهرة تعتبر هذه الاتفاقيات أساسًا لحقوقها التاريخية في مياه النيل، بينما ترى إثيوبيا ودول أخرى في حوض النيل أن اتفاقيات الحقبة الاستعمارية لا يمكن أن تُفرض عليها باعتبارها لم تكن أطرافًا فيها.

1959 (اتفاق مصر والسودان الذي رسم خريطة المياه)

في 8 نوفمبر 1959 وقعت مصر والسودان اتفاقية 'الانتفاع الكامل بمياه النيل'. والاتفاقية مسجلة رسميًا في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، ودخلت حيز النفاذ في ديسمبر 1959. وبموجب ترتيبات الاتفاقية، أصبح متوسط حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، والسودان 18.5 مليار متر مكعب، مع افتراض إقامة مشروعات مشتركة لزيادة إيراد النهر. وهنا يجب الانتباه إلى أن إثيوبيا لم تكن طرفًا في اتفاقية 1959.

من السبعينيات إلى 2010 (هدوء ظاهري ومشكلة تتراكم)

على مدى عقود، ظل السد العالي هو العامل الرئيسي في إدارة المياه المصرية. لكن في الجانب الإثيوبي بدأت فكرة إنشاء سدود ضخمة على النيل الأزرق تتطور تدريجيًا. وكانت إثيوبيا ترى أن لديها أحد أكبر مصادر الطاقة الكهرومائية غير المستغلة في أفريقيا، وأن موقعها الجغرافي في أعالي النيل يمنحها فرصة لتنمية الكهرباء. في المقابل، ظلت القاهرة تنظر إلى أي مشروع ضخم على النيل الأزرق من زاوية مختلفة: هل سيؤثر في تدفق المياه إلى مصر؟ وهل سيؤثر على قدرة السد العالي على توليد الكهرباء أثناء سنوات الجفاف؟

2011 (الإعلان عن سد النهضة)

في أبريل 2011 أعلنت إثيوبيا رسميًا مشروع سد النهضة على النيل الأزرق. وجاء الإعلان في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لمصر، التي كانت تمر بمرحلة انتقالية بعد أحداث يناير. بحسب التسلسل الرسمي الذي نشرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، بدأت بعد ذلك اجتماعات اللجنة الفنية الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، ثم اتجهت الدول إلى تشكيل لجان وخبراء لدراسة آثار المشروع.

2012–2014 ( لجنة الخبراء ومحاولة معرفة حجم التأثير)

تشكلت لجنة دولية للخبراء لدراسة آثار السد، بمشاركة خبراء من مصر والسودان وخبراء دوليين. وكان الهدف الأساسي هو الانتقال من التقديرات السياسية إلى تقييم علمي لآثار السد على دولتي المصب. ثم شهد عام 2014 لقاءات سياسية وفنية متزايدة، وصولًا إلى إعلان مالابو في يونيو 2014، الذي تضمن تأكيدًا على ضرورة تجنب الضرر المحتمل وعلى استمرار الحوار. لكن الخلاف الأساسي بقي قائمًا هل يتم بناء وتشغيل السد أولًا ثم الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، أم يجب الاتفاق على هذه القواعد قبل إتمام المشروع؟.

23 مارس 2015 ( إعلان المبادئ)

في الخرطوم، وقع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس السوداني عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين، إعلان مبادئ سد النهضة، وهذه واحدة من أهم وثائق الملف كله. الوثيقة تضمنت 10 مبادئ من بينها: التعاون، الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، عدم التسبب في ضرر ذي شأن، التعاون في الملء الأول وإدارة السد، تبادل المعلومات والبيانات، أمان السد، إتمام الدراسات الفنية، ثم مبدأ تسوية النزاعات سلميًا. والنص الرسمي المنشور للوثيقة يثبت أن الدول الثلاث تعهدت بالتعاون واحترام مبادئ القانون الدولي، كما نص على أن إثيوبيا 'تتجنب' الآثار الضارة المحتملة على استخدامات مصر للمياه.

2016–2019 (الدراسات تتعطل والمفاوضات تدخل النفق)

استمرت الاجتماعات الفنية والسياسية، ومن بينها بحث مقترحات مصرية بشأن زيادة فتحات تصريف المياه خلف السد. وفي 2016 رفضت إثيوبيا مقترحًا مصريًا بزيادة عدد فتحات تصريف المياه من اثنتين إلى أربع. ثم تحولت القضية تدريجيًا من خلاف هندسي إلى نزاع قانوني وسياسي حول سنوات الجفاف الطويل، قواعد الملء، قواعد التشغيل السنوي، آلية تبادل البيانات، أمان السد، كيفية فض النزاعات، مدى إلزامية الاتفاق النهائي. وفي 2019 دخلت الولايات المتحدة والبنك الدولي كمراقبين في بعض جولات التفاوض.

2020 (لحظة التحول مع بدء الملء)

هنا انتقلت الأزمة من مرحلة 'ماذا سيحدث؟' إلى 'لقد بدأ يحدث بالفعل'. بدأت إثيوبيا الملء الأول لخزان سد النهضة في 2020، بينما لم تكن الدول الثلاث قد توصلت إلى اتفاق نهائي بشأن قواعد الملء والتشغيل. وفي يوليو 2020 كان الملف أمام الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، فيما أعلنت إثيوبيا بدء عملية الملء، ورفضت مصر والسودان استمرار الملء من دون اتفاق. وفي هذه المرحلة ظهرت لأول مرة بصورة واضحة معادلة الصراع الحالية إثيوبيا تقول إن السد حق تنموي وسيادي ومشروع لتوليد الكهرباء، ومصر تقول إن طريقة الملء والتشغيل دون اتفاق قد تعرض أمنها المائي للخطر، و في يوليو 2021 أخطرت إثيوبيا مصر والسودان ببدء الملء للعام الثاني.

2024 (المفاوضات تصل إلى طريق مسدود)

بحلول 2024 كان المسار التفاوضي قد وصل إلى حالة جمود واضحة، وظل الخلاف يدور حول صيغة اتفاق ملزم بشأن التشغيل والملء، في الوقت الذي أصبحت فيه إثيوبيا أقرب إلى تشغيل السد بصورة كاملة، و لم تعد مصر تتفاوض حول 'مشروع سد قيد الإنشاء'، وإنما حول كيفية إدارة سد أصبح أمرًا واقعًا، وفي 9 سبتمبر 2025 افتتحت إثيوبيا سد النهضة رسميًا.

2026 (من أزمة سد إلى صراع على إدارة النيل الأزرق)

مع دخول 2026، لم تعد القضية محصورة في سد النهضة وحده، ففي يناير 2026 عاد الحديث عن وساطة أمريكية؛ إذ عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوسط في النزاع، ورحب الرئيس السيسي بالعرض. ثم شهد صيف 2026 تصعيدًا جديدًا في الخطاب الإثيوبي بشأن إدارة مياه النيل الأزرق. وفي أغسطس 2026 نقلت تقارير عن وزير المياه والطاقة الإثيوبي تصريحات تفيد بأن تدفق المياه إلى دول المصب سيكون تحت سيطرة إثيوبيا، بالتزامن مع الحديث عن خطط لسدود أخرى على النيل الأزرق؛ وهو ما رفضته مصر والسودان، ومن ثم وصلنا إلى اليوم، حيث صرح وزير المياه الإثيوبي أن مصر لم تستأذن إثيوبيا عند بناء سد النهضة، وبالتالي ليس لمصر حق في التحدث عن أي إجراء يمس سد النهضة مستقبلًا؟

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً