قال الدكتور أشرف سنجر، خبير العلوم السياسية، إن التصريحات الإثيوبية بشأن السد العالي في مصر تعكس حالة من التخبط السياسي ومحاولة لتصدير الأزمات الداخلية التي تواجه الحكومة الإثيوبية برئاسة آبي أحمد، في ظل الصراعات والتحديات الداخلية التي تعاني منها البلاد.
وأضاف سنجر، في حوار خاص لـ«أهل مصر»، أن إثارة ملف السد العالي في هذا التوقيت تثير العديد من التساؤلات، خاصة أن هناك فارقًا جوهريًا بين إقامة مصر منشأة مائية لتنظيم مواردها وحصتها من مياه النيل، وبين المشروعات التي قد تؤثر على تدفق المياه إلى دول المصب، وفي مقدمتها مصر والسودان وإلى نص الحوار:
■ كيف تقرأ التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن السد العالي في مصر؟
يمكن تشبيه هذه التصريحات بمثل إنجليزي يقول إن «النجار الفاشل يتشاجر مع أدواته»، فبدلًا من أن تواجه الحكومة الإثيوبية أزماتها الداخلية، وما تشهده البلاد من صراعات وتحديات في مناطق متعددة، تحاول توجيه الاتهامات إلى أطراف خارجية، من بينها مصر والسودان وإريتريا.
وأرى أن هناك إخفاقًا في إدارة التحديات الداخلية الإثيوبية، وفي تحقيق التوافق بين مكونات المجتمع الإثيوبي، وهو ما يدفع الحكومة إلى البحث عن أطراف أخرى لتحميلها مسؤولية الأزمات. ومن هنا، فإن إثارة قضية السد العالي قد تكون جزءًا من محاولة توجيه اللوم إلى الخارج بدلًا من التعامل مع المشكلات الحقيقية داخل إثيوبيا.
■ هل هناك فارق قانوني بين بناء السد العالي المصري وسد النهضة الإثيوبي؟
بالتأكيد، هناك فارق جوهري يجب توضيحه. فالسد العالي أُقيم بهدف تنظيم الموارد المائية المصرية والاستفادة من مياه النيل، بينما تتمحور المخاوف المرتبطة بسد النهضة حول تأثير تشغيله وإدارته على تدفقات المياه الواصلة إلى دول المصب، وعلى رأسها مصر والسودان.
المسألة الأساسية ليست مجرد بناء سد، وإنما طبيعة المشروع وآثاره العابرة للحدود، ومدى الالتزام بالتنسيق والتعاون بين الدول المعنية، بما يضمن عدم الإضرار بحقوق الدول الأخرى في مياه النهر.
وبالتالي، فإن المقارنة بين السد العالي وسد النهضة لا يمكن أن تقوم على مجرد وجود منشأة مائية في دولة من دول حوض النيل، بل يجب أن تستند إلى طبيعة الاستخدامات المائية، والآثار المحتملة، ومدى احترام الحقوق والمصالح المشتركة.
■ ماذا عن الحديث عن ضرورة تشاور مصر مع إثيوبيا قبل بناء السد العالي؟
هذا الطرح يحتاج إلى مراجعة دقيقة للسياق التاريخي والقانوني. فالسد العالي أُنشئ قبل ظهور الأطر والتوصيات الدولية التي يجري الاستناد إليها حاليًا في الحديث عن التشاور بين دول المنبع ودول المصب بشأن المشروعات المائية.
كما أن العلاقات المصرية الإفريقية خلال فترة إنشاء السد العالي كانت تتمتع بحضور قوي، وكانت العلاقات المصرية الإثيوبية مختلفة في سياقها التاريخي عن طبيعة التوترات التي نشهدها اليوم.
ومن المهم هنا التمييز بين القواعد والمبادئ التي تطورت في القانون الدولي للمياه، وبين إسقاطها بصورة انتقائية على وقائع تاريخية سابقة، دون مراعاة توقيت إنشاء المشروعات والظروف السياسية والقانونية المحيطة بها.
والأصل في إدارة الأنهار الدولية هو التعاون والتشاور، مع مراعاة حقوق الدول المعنية وعدم إلحاق الضرر بها. لكن هذا المبدأ لا ينبغي توظيفه بصورة انتقائية لتبرير مواقف سياسية أو لإلقاء اتهامات غير مدعومة بأسانيد واضحة.
■ هل تمتلك إثيوبيا حقًا في المطالبة بتعويضات عن مشروعات تقول إنها تعطلت بسبب السد العالي؟
هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة محددة، وليس مجرد تصريحات سياسية. فإذا كانت هناك مطالبة بتعويضات، فمن الضروري تحديد المشروعات التي يُقال إنها تعطلت، وطبيعة الضرر الذي تعرضت له، والأسانيد القانونية والفنية التي تستند إليها المطالبة.
أما إطلاق اتهامات عامة بأن السد العالي أضر بإثيوبيا أو تسبب في تعطيل مشروعاتها، من دون تقديم أدلة واضحة على وجود علاقة سببية مباشرة، فلا يكفي لإثبات المسؤولية القانونية.
كما أن مصر لم تتدخل، وفقًا لما ورد في هذه التصريحات، لإفشال مشروعات إثيوبية، ولا يصح التعامل مع الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة من دون التحقق من الوقائع والمستندات المرتبطة بها.
لذلك، فإن أي حديث عن التعويضات يجب أن يُناقش في إطار قانوني وفني واضح، بعيدًا عن توظيف الملف المائي في الصراعات السياسية أو محاولات الضغط على القاهرة.
■ كيف ترى مسألة حقوق دول المنبع ودول المصب في مياه النيل؟
إدارة الموارد المائية المشتركة تتطلب تحقيق التوازن بين مصالح دول المنبع ودول المصب، مع الالتزام بمبادئ التعاون والاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى.
ولا يجوز النظر إلى النهر باعتباره موردًا يخضع لإرادة دولة واحدة، بمعزل عن بقية الدول التي تعتمد عليه. فالمياه مورد مشترك، وإدارته تحتاج إلى التنسيق وتبادل المعلومات والتفاهم بشأن تشغيل المشروعات الكبرى، بما يضمن حماية المصالح المائية لجميع الأطراف.
وبالنسبة إلى مصر، فإن أهمية هذا الملف تتضاعف لأن نهر النيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه، في ظل محدودية البدائل الأخرى. ورغم التوسع في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه، فإن هذه الحلول تظل جزءًا من منظومة إدارة الموارد المائية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها بديلًا كاملًا عن مياه النيل.
■ هل تعتقد أن التصريحات الإثيوبية تستهدف ممارسة ضغوط سياسية على مصر؟
من الممكن قراءة هذه التصريحات في سياق محاولة توظيف ملف المياه لتحقيق أهداف سياسية، خاصة عندما يجري استدعاء قضايا تاريخية لتبرير مواقف حالية أو لإلقاء المسؤولية على أطراف أخرى.
لكن من المهم عدم الاكتفاء بالتحليل السياسي وحده، بل يجب فحص التصريحات الرسمية وتحديد الجهات التي صدرت عنها، ومدى تعبيرها عن موقف حكومي معتمد، وما إذا كانت تتضمن مطالب قانونية محددة أم أنها مجرد رسائل سياسية وإعلامية.
وفي تقديري، فإن التعامل مع مثل هذه التصريحات يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة، حتى لا تتحول الادعاءات غير المدعومة إلى أساس لسجال سياسي يبتعد عن جوهر القضية، وهو حماية الحقوق المائية وضمان استقرار العلاقات بين دول حوض النيل.
■ ما المطلوب من مصر في مواجهة هذه الادعاءات؟
أرى أن الرد المصري ينبغي أن يكون رسميًا ومنظمًا، وأن يستند إلى الحجج القانونية والوثائق التاريخية والبيانات الفنية التي توضح حقيقة الموقف المصري، وتفنّد الادعاءات الإثيوبية كلما استدعى الأمر ذلك.
ومن المهم أن يكون الرد قائمًا على تصريحات رسمية واضحة صادرة عن الجهات الإثيوبية المختصة، حتى تتمكن القاهرة من التعامل مع كل ادعاء بصورة محددة، وتقديم ما لديها من أسانيد وأدلة للرد عليه.
كما يجب الاستمرار في التحرك الدبلوماسي والقانوني، وتوضيح أن قضية مياه النيل لا تحتمل المزايدات السياسية، لأنها ترتبط بحقوق أساسية ومصالح استراتيجية لشعوب المنطقة.
وفي النهاية، فإن مصر تمتلك، بحسب تقديري، حججًا قانونية وتاريخية وفنية يمكن الاستناد إليها في الدفاع عن موقفها، والأهم هو تقديم هذه الحجج بصورة مدروسة، بما يحافظ على الحقوق المصرية ويدعم فرص الوصول إلى إدارة تعاونية ومستدامة لمياه النيل.