في حلقاتٍ دائرية داخل دار المهندس محمود ربيعي بقرية القلمينا التابعة لمركز الوقف شمال محافظة قنا، يجتمع الأطفال والشباب والفتيات حول محفظيهم في أجواء يسودها الهدوء والمحبة والسلام النفسي، يتوسط كل مجموعة أحد أهل القرآن، يردد الآيات على مسامعهم ليساعدهم على تثبيتها وحفظها، ويتابع معهم يوميًا ما تم تحفيظه، مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتباعد الإجتماعي.


ويجتمع أطفال القرية في الدار ستة أيام أسبوعيًا، من الساعة الثالثة مساءً حتى الخامسة مساءً في الأيام العادية. بينما يقتصر التحفيظ في شهر رمضان على ساعة واحدة بعد صلاة العصر، حرصًا على عودة الأطفال إلى منازلهم قبل موعد الإفطار، واستغلالًا لأوقات إجازاتهم بما يعود عليهم بالنفع.
ورغم الحداثة وانتشار وسائل التواصل الإجتماعي، ما زال أطفال قرى محافظة قنا يحرصون على التردد على الكتاتيب بمختلف أنواعها لحفظ القرآن الكريم، حيث يجدون فيها متنفسًا روحيًا وبيئة للتعارف وتكوين الصداقات، بعيدًا عن التفرقة أو العنف، وتتبع بعض الكتاتيب الجمعيات الشرعية والمساجد والمنازل، إضافة إلى الدار المخصصة للتحفيظ والمنازل الريفية “المنادر”،وقد خرجت الكتاتيب عبر التاريخ العديد من الفقهاء والحفظة، وعُرف معلموها بالمؤدبين والمشايخ، وكانوا يستخدمون الألواح وأقلامًا من نبات البوص للكتابة، وكان الكُتّاب يُعد بمثابة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة، مثل دور الحضانة في وقتنا الحالي.
وقال عمار علي محمد حسين، 10 أعوام، طالب بالمرحلة الابتدائية، إنه بدأ حفظ القرآن الكريم في سن الخامسة من عمره، وأتم حتى الآن حفظ 12 جزءًا، وحصل على عدة جوائز في تلاوة القرآن الكريم، كما يحب تقليد بعض القراء الذين تأثر بهم مثل الشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ عبدالباسط عبدالصمد. وأضاف أن يومه يبدأ بالذهاب إلى الكتاب بعد انتهاء اليوم الدراسي، ويقسم وقته بين حفظ القرآن والدروس والمذاكرة؛ حيث يقرأ الآيات في المنزل أولًا، ثم يراجعها في اليوم التالي داخل الدار.
وأشار 'علي'، إلى أنه قبل افتتاح الدار عام 2023، كان الأطفال يذهبون إلى المساجد والقرى المجاورة لحفظ القرآن والحصول على الدورات، لكن بعد افتتاح دار المهندس بالقلمينا، والتي تضم نحو 500 طفل وتلميذ، أصبحت مقصدًا لأبناء القرية، وتتكون الدار من ثلاثة طوابق، يضم كل طابق خمس قاعات مخصصة للتحفيظ. كما أسهمت في شغل أوقات فراغ الأطفال والشباب، وتعزيز السلوكيات الإيجابية لديهم، والابتعاد عن الألفاظ والسلوكيات الخاطئة؛ ليصبح المكان منارةً قرآنيةً وتربويةً لأبناء القرية.