لم تكن شقيقة محمد ومحمود إبراهيم سالم من قرية الملاك التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، تتخيل أن آخر مرة تراهما فيها ستكون قبل خروجهما من البيت لأداء يومهما المعتاد للعمل باليومية في مزارع المانجا بمحافظة الإسماعيلية.
تقول شقيقة الضحيتين إن قلبها كان مقبوضًا منذ ثلاثة أيام، وإنها اعتادت أن تدعو لهما دائمًا قبل خروجهما للعمل معًا في الأراضي الزراعية: «ربنا ييسر لكم أو يردكم عليا»، لكن في ذلك اليوم خرجت منها دعوة مختلفة، كأن قلبها كان يشعر بشيء لا تعرفه: «أول مرة أدعيلهم وأقولهم: يجعلكم في ودائع الرحمن».
صلى الشقيقان صلاة الفجر، ثم خرجا، ولم يعودا،
محمود، المتزوج منذ عامين، كان أبًا لطفلة لم تتجاوز عامها ونصف العام، أما محمد، فكان يبلغ من العمر 21 عامًا، ويعمل شاويشًا في الجيش، وكان قد تسلم أوراق التعبئة ولم يتبق له سوى شهرين على انتهاء خدمته.
كان نظام خدمته يجعله يقضي 28 يومًا في الجيش، ثم يعود إلى أسرته لمدة 15 يومًا، وفي أيام إجازته لم يكن يعرف الراحة؛ كان يخرج للعمل باليومية حتى يساعد في مصاريفه، ويساند شقيقته الصغيرة، ويقف إلى جوار والده الذي يمر بظروف صحية صعبة.
تقول شقيقته: «إحنا كنا أربعة.. ولدين وبنتين، الولدين راحوا، وفاضل أنا وأختي الصغيرة، لكن أنا متزوجة وبروح وأجي على أهلى»، لتجد الأسرة نفسها بعد الحادث أمام فراغ لا يمكن تعويضه، ومسؤوليات تركها الشقيقان خلفهما قبل أن يكتمل مشوارهما في الحياة.
محمد كان يحمل أحلامًا بسيطة تشبه أحلام أي شاب في عمره، كان يريد أن يتزوج، وكان يجهز شقته، ويحلم بأن يبدأ حياته ويكون أسرته، وتتذكر شقيقته آخر حديث لها معه قبل ذهابه للعمل : «كان بيقول لي ادعيلي ربنا يوقفلي في طريقي عروسة بنت حلال».
وتابعت شقيقته عنه: «محمد شاف الذل مع أبوه، وكان بيساعده على طول في الأرض، وبيصرف على نفسه ويساعد أبوه».
تحمل شقيقتها المشهد الأصعب في ذاكرتها لحظة رؤيتهما بعد الحادث، حيث تقول: «شوفت كفنهم.. ومسكت رجلين واحد منهم في العربية قبل الدفن»، كلمات قليلة، لكنها تختصر صدمة أسرة فقدت ابنين في لحظة، وأختًا لم تعد قادرة على استيعاب أن البيت الذي كان يجمع أربعة إخوة أصبح لا يضم سوى اثنتين.
شقيقين كانا يخرجان من البيت كل يوم بحثًا عن لقمة العيش، ومحمود يحمل مسؤولية زوجته وطفلته، ومحمد يقترب من نهاية خدمته التي تبقي عليها شهرين ويستعد لبدء حياته، فيما كان قلب شقيقتهما الصغيرة معلقًا بأخويها، لكن الطريق الذي خرجا فيه معًا، لم يعيدهما إلى البيت، وبقيت دعوة شقيقته الأخيرة عالقة في ذاكرتها:«يجعلكم في ودائع الرحمن»، ولم تعرف أنها ستكون الأخيرة قبل أن يتحول كل شئ إلى ذكريات تؤلمها يومًا تلو الآخر.