قطع حسين عمر، الشاب البالغ من العمر 33 عامًا، ما يزيد عن 350 ميلًا، هي مقدار المسافة بين محل سكنه بمحافظة أسيوط، والإسكندرية، لكي يجد لنفسه فرصة عمل برفقة مجموعة من الشباب، تاركًا عائلته، زوجته وأبنائه الثلاثة، فساقه قدره للعمل في أحد المخابز شارع النيل في منطقة سبورتنج، وسط المدينة، وفي أحد أيام عمله، بات ليلته في المخبز، مستيقظًا يبيع المخبوزات لزبائنه، وقبل دقائق معدودة من مغادرته واستلام زملائه العمل بدلًا عنه، وبينما كان يتحدث بالداخل مع طاهٍ يعمل بمطعم البيتزا الملاصق، اقتحمت سيارة فارهة بوابته المفتوحة، إلى الداخل ودهستهما سويًا.

مقطع فيديو أصاب كل من شاهده على مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، بالهلع من هول بشاعته وحالة الاستهتار التي آلت ببعض من يستهينون بحياة الآخرين وممتلكاتهم، حيث وثق المقطع الملتقط بواسطة كاميرات المراقبة الحادث الأليم، والذي ظهرت فيه السيارة وهي تباغت الشابين وتلصقهما في أحد جدران المحل، لا يستطيعان تحريك ساكنًا، وبمجرد عودتها قليلًا للخلف، سقط الضحيتان أرضًا وسالت الدماء من تحتهما.
حادث مخبز سبورتنج
كانت الساعة تقارب الـ 6:45 صباح يوم الخميس الماضي، وقف حسين عمر برفقة 'أبو أحمد' طاه المطعم داخل المخبز، لم يجدا فرصة حتى للالتفات ورؤية ما يحدث، نزل أحمد عبود، وهو أحد العاملين بالمخبز ذاته، مهرولًا من المسكن المستأجر له وزملائه، كانت 30 دقيقة فقط هي الفاصلة بين استلام ورديته والحادث، ليجد شاب ثلاثيني، وهو من كان يمسك بمقود السيارة، يهبط منها ضاحكًا، ظنًا منه أنها إصابة طفيفة، ليُصدم بمشهد الدماء التي أغرقت المكان، فتبدلت ابتسامته إلى لطم، وأخذ يضرب رأسه بكفيه عدة مرات، بينما نزل آخر ستيني كان يجلس بجواره، ليلتقط شيئًا ما كان قد سقط منه، ويلقي نظرة على ضحاياه.
لم تمر سوى بضع ثوانٍ حتى استوقف الشخصان وبرفقتها ربما ثالث أو رابع، لم يتأكد عبود من عددهم، كانا يجلسان في المقعد الخلفي، سيارة أجرة 'تاكسي' من الشارع المجاور، وفروا جميعهم هاربين، ولكن ما أكده هو أن قائد تلك السيارة لم يكن طفلًا، بل شابًا يقترب سنه من الـ 35 عامًا.
ما شاهده عبود وقت الواقعة لم يزد عن ما التقطته الكاميرات، ولكن المشهد بعد الحادث كان مختلفًا، فلقد حطمت السيارة كل شئ من حديد 'سقالة' وصاجات، وحتى البشر، أحدهما تهشمت ساقيه وقفصه الصدري، بينما الرجل المسن الذي كان قد نزل منها، شاهد أحد المصابين بالكاد يلتقط أنفاسه ويكاد يلفظ آخرها، ففروا هاربين تاركين السيارة مكانها، والتي سقطت لوحتها المعدنية داخل المخبز وسلمها العاملين بدورهم للشرطة.
يضيف عبود أن الحادث وقع في يوم عطلة رسمية وفي ساعة مبكرة من الصباح، وهو ما صعب أمر الإمساك بالمتهم فلم يكن هناك أشخاص تستطيع توقيفهم، والفردين اللذان تواجدا بمحيط الحادث دفعا السيارة للخلف قليلًا، لم يقف السائق ومن معه لدقيقة واحدة، وسرعان ما هربوا، معتبرًا أنهم يفتقرون المروءة فلم يحاولوا حتى إسعافهما.
هرع عبود نحو زميله حسين وحمله على يديه، متجهًا به إلى المستشفى، وظل بجواره طيلة النهار ما بين عمل الأشعة ومحاولة الإنقاذ، كل ذلك جعله يقول أن حبس المتهم عدة سنوات غير كافية لتضميد جراح أسرتي المتوفى والمصاب، ولن تعوضه عن فقدان جزء من ساقه إذا باءت جميع المحاولات بالفشل، أو تعيد آخر للحياة مجددًا.
شقيق حسين عمر مصاب حادث مخبز سبورتنج
المهندس أحمد عمر، شقيق حسين المصاب في الحادث، يقول لـ 'أهل مصر' أن السيارة حطمت السقالات الحديدية الخاصة بترميم المنزل ثم الرصيف والمحل وأحدثت إصابات بالغة في الساق اليسرى لشقيقه، وإصابة الطاه في ساقيه اللتان تم بترهما قبل أن يفارق الحياة بعد الواقعة بيومٍ واحدٍ فقط.

بعد إجراءات غاية في التعقيد، تم إنقاذ قدم حسين من البتر، ولكن بحسب عمر، تحطمت العظام والأنسجة والأوعية الدموية والعضلات، وخضع لجراحة تم فيها تثبيت العظام بشكل مبدأي، وتركيب جهاز 'ڤاكيوم' لإعادة الأنسجة وعلاج الجرح، في محاولة من الأطباء لإعادة خلايا الجسم والأنسجة التي تهتكت وخرجت من جسده، ولكن مدة الاستشفاء غير معروفة وقد تصل إلى 18 شهر تقريبًا، وذلك يعود إلى مدى قابلية الجسم وقدرته على استرجاع بناء الخلايا والأنسجة المتضررة.
حادث اقتحام سيارة مخبز في الإسكندرية
بعد وقوع الحادث بنحو 5 ساعات، اتصل حسين بشقيقه ليخبره بأن حادث يسير قد تعرض له، وأنه سيخضع لجراحة بسيطة، ولكن عندما قطعت الأسرة رحلتها من أسيوط إلى الإسكندرية، صدمهم المشهد.يقول عمر أن البتر كان هو الحل الوحيد أمام الأطباء، ولكن ذلك سيكون ضربة قاسمة لـ حسين الذي يتميز بحب الحياة والحركة الدائمة دون تعب أو شكوى، ولذلك حاولت الأسرة إيجاد حل بديل، بينما يظل البتر خيارًا غير مستبعد، ولكن الأسرة تسعى جاهدة لعمل كل ما بوسعها لإنقاذ ساقه.
أكد الأطباء لـ شقيق حسين أنه في حالة عدم اللجوء للبتر فسوف يحدث قصر في طول الساق بنحو 4 سنتيمترات، ثم تبدأ بعد عملية الاستشفاء محاولات عمل استطالة حتى يتمكن من الوقوف مجددًا على قدميه.
يقول أحمد عمر أن حسين حصل على درجة الليسانس من معهد الخدمة الاجتماعية، وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء، أكبرهم سنًا يبلغ من العمر 7 سنوات، مطالبًا بالقصاص من الجاني والضرب بيد من حديد على من وصفهم بـ 'المتهورين'، فما جرى يعد تهورًا وإهمالًا وعدم إحساس بالمسؤولية أو بأرواح المواطنين.
قوانين صارمة ضد المتهورين
طالب عمر بوضع قوانين صارمة تجاه هؤلاء المستهترين، لأن المتهمون يقضون فترة عقوبة تصل إلى عام أو اثنين ثم بعد انتهاء فترة عقوبتهم يخرجوا ليمارسوا نفس أسلوبهم من جديد وكأن شيئا لم يكن وكأن شخصًا لم يفقد حياته وأسرة لم تودع معيلها أو أحدًا يقضي عامين بين المستشفيات للعلاج، وبالتالي تتأثر عائلته ودخله.وأعرب المهندس عمر عن رغبته في أن تكون هذه الواقعة قضية رأي عام لأنه ليس حادثًا عاديًا، ولكن السيارة اقتحمت الحواجز الحديدية والرصيف وداخل المحل الذي يعد بمثابة بيت للمصاب، فكيف لأحد أن يقتحم عليك منزلك ويقتلك أو يصيبك بدون وجه حق ـ على حد قوله.
عندما استفاق حسين عقب العملية الجراحية، صارحه شقيقه بوضعه الصحي وبأن ساقه عرضة للبتر، إلا أنه تقبل كل بلاء لأنه على يقين بأن ذلك ما قدره الله له، مضيفًا أنه بالصبر والمتابعة ستسير الأسرة على الخطوات التي شرحها الأطباء، حتى ينتهي بهم الأمر بأن يعود حسين ليقف على قدميه من جديد، وذلك هو هدفهم الأول والأخير.