من قلب الصعيد الجواني، خرجت حكاية سيدة لم تجعل من الظروف الصحية، أو تأخرها في التعليم عائقًا أمام تحقيق حلمها، بل استطاعت أن تحول كل الصعوبات التي واجهتها إلى دافع للاستمرار، حتى أصبحت فى الخمسين عمرها تكتب الشعر وتحلم بأن يصل إلى كل الناس.
الشاعرة رحمة
بدأت «رحمة عبد الجليل» إحدى سيدات نجع القضا التابع لمركز ومدينة إسنا جنوب محافظة الأقصر، حكايتها مع التعليم وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، عندما كانت تنتظر أبنائها بعد عودتهم من المدرسة، لتجلس إلى جوارهم وتتعلم منهم الحروف، نطقها وكتابتها، حيث كانت تتابع واجباتهم المدرسية وتحاول أن تحفظ ما تتعلمه منهم، حتى استطاعت أن تخطو أولى خطواتها نحو القراءة والكتابة.
ورغم أن التعلم كان يسير ببطء، فإن إصرارها لم يتوقف، وبعد سنوات، وتحديدا في سن الثلاثين، قررت الالتحاق بفصول محو الأمية رغبة في استكمال تعليمها بصورة أكثر انتظامًا، لكن ظروفاً صحية أجبرتها على التوقف عن الدراسة، فلم تستطيع استكمال مشوارها داخل فصل محو الأمية الذي لم يمر أكثر من شهرا على التحاقها به، ومع ذلك لم تعتبر ما حدث نهاية لحلمها، فعادت مرة أخرى إلى بيتها، وواصلت التعلم مع ابنائها، الذين أصبحوا بمثابة معلمين ورفقاء لها في رحلة البحث عن المعرفة.
كانت الأم تنتظر أبنائها بعد عودتهم من المدرسة، وتجلس معهم لتتعلم الحروف والكلمات منهم، وتراجع ما تعلمته، حتى استطاعت في النهاية أن تتعلم القراءة والكتابة بشكل يمكنها من الاعتماد على نفسها في القراءة والإطلاع، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياتها، فبعد أن تمكنت من القراءة أصبح الكتاب رفيقا لها، وبدأت تهتم بالشعر والأدب وتنمي موهبتها الفطرية التي ولدت بها منذ الصغر، فأخذت تقرأ أعمال كبار الشعراء ، وتحرص على تكوين مكتبة خاصة بها تساعدها على تطوير ثقافتها وموهبتها.
وأوضحت الشاعرة رحمة لـ « أهل مصر» أن الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، كان واحدا من أهم مصادر إلهامها، إذ تأثرت بتجربته وأسلوبه، وأصبح شعره حاضرًا في رحلتها الأدبية، إلى جانب ما كانت تقرؤه من أعمال شعرية مختلفة، لافتة إلى أنها بعد سنوات من التعلم والقراءة، اكتشفت أن لديها رغبة في كتابة الشعر الذي تقوم بتأليفه، وفي سن الثانية والأربعين من عمرها، كتبت أول قصيدة لها، واختارت لها عنوان « الأم» لتكون تلك القصيدة نقطة الإنطلاق الحقيقية في مشوارها مع الشعر.
وتابعت المسنة الصعيدية أنها منذ ذلك الوقت، لم تتوقف عن الكتابة، فألفت نحو 20 قصيدة تتناول موضوعات مختلفة، تكتب فيها ما تشعر بها، وما يدور في داخلها، وتعبر بالكلمات عن تجاربها ومشاعرها ورؤيتها للحياة.
وأصبح لديها اليوم، وهي في الخمسين من عمرها، رصيد من القصائد وحلم أكبر؛ أن تجمع كتاباتها في ديوان شعر يحمل اسمها، وأن تصل كلماتها إلى القراء، وأن تحصل على فرصة للمشاركة في الفعاليات الثقافية والأدبية الكبرى، لتلقي قصائدها أمام الجمهور وتحكي تجربتها بنفسها.
وخلال رحلتها لم تسلم من كلمات التنمر والانتقاد في قريتها، خلال ذهابها لقصر الثقافة بالأقصر من أجل تنمية موهبتها، وذلك نظرا لكبر سنها وتأخرها فى التعليم، وبدايتها للكتابة في سن متقدمة، لكنها لم تسمح لهذه الكلمات بأن توقفها، بل حولتها إلى حافز لمواصلة الطريق لتحقيق حلمها.
وتتمنى السيدة الصعيدية أن تواصل فى تأليف شعرها، وان يصل شعرها لجميع الأذهان، وتصبح شاعرة كبيرة كمن تقرأ لهم وتسمع منهم فى بدايتها.
وتؤكد قصة المسنة الصعيدية أن الموهبة لا ترتبط بعمر، وأن التعليم ليس له سن محدد وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد مهما كانت الظروف، حيث أن هذه السيدة وجدت في أوقات فراغها عالما آخر بين الكلمات، وحولت ظروفها الصعبة إلي دافع للنجاح، وجعلت من دعم ابنها الأكبر ياسر لها بداية لطريق جديد، لتثبت أن الحلم يمكن أن يبدأ في أى عمر، وإن الموهبة حين تجد الإرادة تستطيع أن تصنع طريقها مهما كانت البداية.
السيدة رحمة



السيدة خلال تأليفها الشعر
السيدة خلال القائها بمنزلها
السيدة خلال القائها الشعر ببيت الشعر