'يا أهل بلدي اللي اتحرمتوا من التعليم.. إذاعتنا ناوية تعلمكم من غير ما تغرموا ولا مليم.. افتحوا الشبابيك لشمس العلم هالّة'.. كلمات من برنامج إذاعي غيّرت حياة الحاجة فوزية أحمد الصغير، ابنة قرية حجازة التابعة لمركز قوص بمحافظة قنا، بعدما حُرمت من التعليم في طفولتها، فقرر والدها أن يبيع معزته بقرشين ونصف ليشتري لها راديو تتعلم منه القراءة والكتابة، وفي الخامسة والثلاثين من عمرها، بدأت رحلتها مع الحروف، لتتعلم وسط مسؤوليات المنزل وأمام فرن العيش البلدي، مستعينة بالراديو والورقة والقلم والمراية، حتى أتقنت القراءة والكتابة، وأصبحت تكتب القصص والأشعار، فيما أصرت على تعليم ابنتها التي أصبحت اليوم مدرسة، حتى لا تعيش الحرمان نفسه الذي عاشته أمها.

الحاجة فوزية أحمد الصغير، البالغة من العمر 72 عامًا، لم تدخل المدرسة في طفولتها، لكن حبها للقراءة والكتابة ظل بداخلها سنوات طويلة، حتى قررت أن تحقق حلمها بنفسها، ولم يمنعها تقدم العمر أو مسؤوليات الحياة من أن تبدأ رحلة جديدة مع العلم.
معزة الأب كانت بداية الحكاية
تروي الحاجة فوزية أن والدها كان أول من آمن بحلمها، فعندما لمس شغفها بالتعلم ورغبتها في معرفة القراءة والكتابة، قرر أن يساعدها على تحقيق أمنيتها، وباع المعزة التي كانت تمتلكها الأسرة مقابل جنيهين ونصف، ليشتري لها راديو تستمع من خلاله إلى البرامج التعليمية.
لم يكن الراديو بالنسبة لها مجرد جهاز للاستماع، بل أصبح نافذتها إلى عالم الحروف والكلمات، ووسيلتها لتحقيق حلم ظل مؤجلًا منذ طفولتها، ومن خلاله، بدأت تستمع إلى دروس تعليم القراءة والكتابة، وتحاول تطبيق ما تسمعه بنفسها، مستعينة بورقة وقلم، وبكل ما يساعدها على تعلم الحروف وإتقان كتابتها.
من أمام فرن العيش البلدي بدأت رحلة التعلم
في الخامسة والثلاثين من عمرها، بدأت الحاجة فوزية رحلتها مع القراءة والكتابة، ولم تنتظر أن تتغير ظروف حياتها أو أن تجد وقتًا مخصصًا للدراسة، بل استغلت كل لحظة متاحة أمامها لتتعلم.حتى أثناء قيامها بأعمال المنزل والجلوس أمام فرن العيش البلدي، كانت تحرص على الاستماع إلى الراديو، وتتابع البرامج التعليمية بتركيز شديد، وتنتبه إلى نطق الحروف ومخارجها، ثم تحاول كتابة ما تسمعه على الورق.

وكانت تستعين بالمراية لمساعدتها في كتابة الحروف، وتكرر محاولاتها حتى تتمكن من رسمها بصورة صحيحة، بينما كانت لمبة الجاز تنير لها المكان، فتواصل التدريب على الكتابة، غير عابئة بصعوبة الطريق أو تأخرها في بدء التعلم.
وبين صوت الراديو وضوء لمبة الجاز، كانت تخطو خطواتها الأولى نحو حلمها، تحاول وتتعلم وتكرر الحروف، حتى بدأت تتعرف على الكلمات وتتمكن من القراءة والكتابة، لتشعر بأنها حققت إنجازًا طالما تمنته.

من الاستماع إلى الشعراء إلى تأليف القصص
لم يتوقف شغف الحاجة فوزية عند تعلم الحروف، فقد وجدت في الراديو عالمًا واسعًا من القصص والأشعار، وأصبحت تستمع إلى عدد من الشعراء، من بينهم نزار قباني وعبد الرحمن الأبنودي، وغيرهما ممن جذبتها كلماتهم وأعمالهم.
ومع استمرارها في الاستماع والقراءة، لم تعد تكتفي بما تسمعه، بل بدأت تحاول الكتابة بنفسها، فتؤلف قصصًا صغيرة، وتدون أفكارها وما يدور في ذهنها، لتنتقل من مرحلة تعلم الحروف إلى مرحلة التعبير عن نفسها بالكلمات.

حب القراءة والكتابة
وأصبحت القراءة والكتابة هواية تحب ممارستها، بعدما كان حلمها في البداية لا يتجاوز القدرة على قراءة الكلمات وكتابتها، ومع مرور الوقت، اكتشفت أن لديها شغفًا بالتأليف وكتابة الشعر والقصص، وأنها تستطيع أن تجعل من الكلمات وسيلة للتعبير عن أفكارها ومشاعرها.
ولم تتوقف رحلتها عند الورقة والقلم، إذ أصبح لديها حساب شخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لتواصل التعامل مع عالم الكلمات والتواصل مع الآخرين، بعدما بدأت رحلتها التعليمية من خلال جهاز راديو اشتراه لها والدها.

ابنتها واجهت الحرمان من التعليم فأصرت على استكمال دراستها
لكن حكاية الحاجة فوزية لم تكن مجرد قصة امرأة هزمت الأمية في منتصف العمر، بل كانت أيضًا حكاية أم أرادت أن تحمي ابنتها من المعاناة نفسها التي عاشتها.فبعدما عرفت معنى الحرمان من التعليم، وذاقت صعوبة أن يكبر الإنسان دون أن تتاح له فرصة التعلم في طفولته، أصرت على تعليم ابنتها، خاصة بعدما واجهت محاولات لحرمانها من استكمال دراستها.
تمسكت الحاجة فوزية بحق ابنتها في التعليم، ورفضت أن تتكرر معها التجربة ذاتها، وأرادت لها أن تحصل على الفرصة التي لم تحصل عليها هي في صغرها، حتى لا تضطر إلى انتظار سنوات طويلة لتتعلم القراءة والكتابة.
وبإصرارها على تعليم ابنتها، تحقق جزء كبير من حلمها، إذ أصبحت ابنتها اليوم مدرسة، في نهاية تحمل الكثير من المعاني لأم بدأت رحلتها التعليمية في الخامسة والثلاثين، لكنها لم تسمح لظروف الماضي بأن تحدد مستقبل ابنتها.
فالحاجة فوزية التي تعلمت الحروف من الراديو، وكتبت القصص والأشعار بعدما تمكنت من القراءة والكتابة، استطاعت أن تمنح ابنتها طريقًا مختلفًا، وأن تحول تجربتها الصعبة إلى دافع للإصرار على التعليم.

حكاية بدأت براديو ولم تنتهِ عند الـ72
اليوم، وبعد أن بلغت الحاجة فوزية الثانية والسبعين من عمرها، لا تزال تتذكر تفاصيل رحلتها، من المعزة التي باعها والدها مقابل جنيهين ونصف الجنيه، إلى الراديو الذي علمها الحروف، والورقة والقلم والمراية التي استعانت بها في محاولاتها الأولى، ولمبة الجاز التي أنارت لها المكان وهي تواصل التعلم.لم تحصل الحاجة فوزية على فرصة التعليم في طفولتها، لكنها لم تعتبر ذلك نهاية الطريق، بل قررت أن تبدأ من جديد، حتى تمكنت من القراءة والكتابة، واكتشفت شغفها بالشعر والقصص، وأصرت على أن تحصل ابنتها على حقها في التعليم.
ومن قرية حجازة بمركز قوص في محافظة قنا، تقدم الحاجة فوزية حكاية إنسانية عن أب آمن بحلم ابنته، وامرأة لم تستسلم للأمية، وأم أصرت على أن تمنح ابنتها مستقبلًا أفضل، لتؤكد أن العلم لا يرتبط بعمر محدد، وأن حلمًا يبدأ براديو صغير قد يغير حياة إنسان كاملة.