ads
ads

إسلام شلبي يكتب: مستشفى الشاطبي.. أزمة إنسانية

إسلام شلبي
إسلام شلبي

ليست شهادة الطبيبة التي أثارت الجدل مؤخرا حول ما يحدث داخل مستشفى الشاطبي بالإسكندرية حدثا استثنائيا أو معزولا عن سياق أوسع.

فمن قبلها طُرحت وقائع وشهادات مشابهة داخل مؤسسات طبية أخرى، بينها مستشفيات جامعية كبرى، ما يدفعنا إلى تجاوز النقاش حول واقعة بعينها، والانتقال إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا تتكرر هذه الممارسات أصلا؟.

في العلوم الطبية الحديثة، لم يعد المريض مجرد حالة مرضية أو ملف يحمل رقما على سرير داخل مستشفى، بل أصبح مفهوم "الرعاية المتمركزة حول المريض" أحد أهم المعايير التي تُقاس بها جودة الخدمات الصحية في العالم.

هذا المفهوم ينطلق من حقيقة بسيطة؛ أن الإنسان لا يفقد كرامته بمجرد دخوله إلى المستشفى، ولا تتراجع حقوقه لأنه أصبح بحاجة إلى العلاج.

لكن ما يحدث أحيانا داخل بعض المؤسسات الصحية يكشف عن وجود ثقافة مهنية مقلقة، تتعامل مع المريض بوصفه "حالة" قبل أن يكون إنسانا.

ومع مرور الوقت، يتحول هذا الوصف الإجرائي إلى طريقة تفكير كاملة؛ فيصبح الألم مجرد عرض مرضي، والشكوى مجرد إزعاج، والاحتياج النفسي للمريض أمرًا ثانويًا لا يستحق الانتباه.

هذه الثقافة لا تنشأ من فراغ، بل تتشكل عبر سنوات من الممارسات المتوارثة والضغوط المهنية وضعف التدريب على مهارات التواصل الإنساني.

ومع الوقت تتحول بعض السلوكيات الخاطئة إلى أعراف غير مكتوبة يتداولها العاملون الجدد باعتبارها جزءًا من طبيعة العمل، رغم أنها تتعارض جوهريًا مع أخلاقيات المهنة.

ولا يمكن إنكار أن الأطباء وأطقم التمريض يعملون في ظروف صعبة، ويتعاملون مع أعداد هائلة من المرضى وإمكانات محدودة أحيانا، لكن ضغوط العمل، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون مبررًا لإهانة المريض أو الانتقاص من كرامته أو تجاهل معاناته.

فالفارق بين الممارسة الطبية والعملية الميكانيكية هو البعد الإنساني الذي يمنح للمهنة معناها الحقيقي.

المفارقة الأكثر إيلاما أن بعض من يتعاملون مع المريض داخل المستشفى باعتباره رقما أو "حالة"، يتحولون في عياداتهم الخاصة إلى نموذج مختلف تماما من الاهتمام والإنصات والاحترام.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت القدرة على التعامل الإنساني موجودة، فلماذا تغيب عندما يكون المريض فقيرا أو عاجزا أو داخل مؤسسة عامة؟.

إن إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ فقط ببناء مستشفيات جديدة أو شراء أجهزة أحدث، بل يبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة جوهرية مفادها أن المريض إنسان أولا.

فالطب ليس علمًا فقط، بل علاقة أخلاقية قبل أن يكون خدمة علاجية، ورسالة رحمة قبل أن يكون مهنة.

ولهذا فإن أي تحقيق جاد في الوقائع المثارة يجب ألا يقتصر على تحديد المسؤوليات الفردية، بل ينبغي أن يمتد لفحص الثقافة المؤسسية التي تسمح بتكرار هذه الممارسات.

لأن المشكلة الحقيقية ليست في خطأ فرد واحد، وإنما في اعتياد الخطأ وتحوله إلى سلوك مقبول.

فمن يتعامل مع المريض في المستشفى على أنه مجرد حالة، ثم يتعامل معه في عيادته الخاصة على أنه إنسان كامل الحقوق، عليه أن يراجع نفسه جيدا، لأن الطريق بين الطب والاتجار بالمرض يبدأ غالبًا من هذه النقطة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
عمرو موسى: التفاهمات الأمريكية الإيرانية نقطة انطلاق لحل القضية الفلسطينية