ads
ads

مراسي.. عندما تتحول الإدارة إلى عبء على النجاح والمنطق

داليا عماد
داليا عماد

هناك فارق كبير بين إدارة المكان، وإدارة حياة الناس.

الإدارة ليست أن تكون الحدائق أجمل، والأشجار أكثر خضرة، والمباني أكثر فخامة، والإعلانات أكثر بريقًا. الإدارة الحقيقية هي أن يشعر الناس بالرضا، وأن يحس المالك بأن حقوقه محفوظة، وأن تكون القواعد وُضعت لتنظيم حياته لا لتقييدها.

ولهذا، فإن الحديث عن مراسي اليوم ليس هجومًا على مشروع ناجح، بل دفاع عن نجاح يستحق أن يستمر. فمراسي واحدة من أجمل المشروعات السياحية والاستثمارية في مصر، وربما في المنطقة كلها، وأصبحت نموذجًا يفتخر به المصريون قبل أن يفتخر به المستثمر. لكن المشكلة تبدأ عندما تنجح الفكرة، ثم تتعثر الإدارة.

الفكرة ليست مستثمرًا أجنبيًا أو مستثمرًا مصريًا، فالوطن لا يقيس الاستثمار بجنسية صاحبه، وإنما بمدى احترامه لمن اشترى منه ووثق فيه. المستثمر الحقيقي لا يكتفي ببيع الوحدات، بل يحافظ على العلاقة مع أصحابها. أما حين تصدر القرارات تباعًا دون حوار، ودون دراسة كافية لتأثيرها على الملاك، فإن الإدارة تتحول من شريك في النجاح إلى عبء عليه.

مراسي بين نجاح الاستثمار وغضب الملاك… هذه ليست مبالغة، بل حقيقة يلمسها كل من يتابع ما يحدث. وكل موسم يحمل معه لائحة جديدة، وقيدًا جديدًا، ومنعًا جديدًا، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل المطلوب إدارة المكان أم إدارة حياة الناس؟

خذوا مثالًا واحدًا. عربات الجولف كار التي استخدمها المصريون في المنتجعات منذ سنوات طويلة، والتي لا تتجاوز سرعتها ثلاثين كيلومترًا في الساعة، وتخدم الأسر والأطفال وكبار السن، أصبحت فجأة هي المشكلة. بينما تتحرك داخل المنتجع سيارات رياضية فائقة السرعة. فإذا كانت القضية هي السلامة، فالسلامة لا تتحقق بالمنع، وإنما بالإدارة. الحل ليس إلغاء الجولف كار، وإنما تنظيم الحركة، وتطبيق السرعات المحددة، والاستعانة بالجهات المختصة في المرور إذا لزم الأمر. الإدارة الناجحة لا تمنع الحياة، بل تنظمها.

ومنع الأحفاد يضرب مفهوم الملكية نفسه. كيف يمتلك شخص فيلا باسمه، ثم يصبح حفيده غير مرحب به داخل المكان الذي تملكه أسرته؟ أي رسالة ترسلها هذه القرارات؟ الملكية ليست عقدًا يُعلق على الحائط، بل حق طبيعي في الانتفاع الأسري. وإذا شعر المالك أنه يحتاج كل يوم إلى إذن جديد ليعيش في ملكه، فالمشكلة ليست في المالك، بل في طريقة التفكير التي تُدار بها المنظومة.

ثم تأتي الغرامات التي تجاوزت حدود المنطق. نعم، لا أحد يعترض على العقوبة، لكن الغرامات يجب أن تكون منطقية. لا يجوز أن تتحول المخالفة الإدارية إلى أرقام تثير الدهشة أكثر مما تحقق الردع. فلا توجد مؤسسة ناجحة تبني احترام الناس لها بالمبالغة في العقوبات، وإنما بعدالتها وتناسبها مع المخالفة.

وفي المقابل، توسعت مراسي في إنشاء الفنادق، واستقبلت أعدادًا أكبر من النزلاء، وزادت من الطاقة الاستيعابية للمشروع، وهذا حق استثماري مشروع. لكن زيادة الطاقة الاستيعابية لها ثمن، وهذا الثمن لا ينبغي أن يُدفع من راحة الملاك. فإذا كانت الفنادق الجديدة قد استقطعت أجزاء من الشاطئ، وإذا كانت الأعداد تضاعفت، فمن الطبيعي أن يصاحب ذلك توسعة حقيقية في الخدمات والبنية التحتية والمساحات العامة، لا أن تتحمل الأسر وحدها نتائج هذا التوسع.

لا تجعلوا النجاح سببًا للغرور. الإقبال الكبير على مراسي نعمة، لكنه ليس ضمانًا دائمًا. الناس هي التي صنعت الاسم، والمصريون هم الذين حولوا مراسي إلى ظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وروجوا لها بمحبتهم قبل أي حملة دعائية. ومن يصنع السمعة قادر أيضًا على إعادة تقييمها إذا شعر أن راحته لم تعد أولوية.

ولا تجعلوا الجنة مكانًا يهرب منه أصحابها. فالناس لا تشترى البحر وحده، وإنما تشترى الإحساس بالحرية والراحة والكرامة. وحين تصبح اللوائح أثقل من متعة المكان، تبدأ المشكلة الحقيقية. فلا أحد يهرب من الجمال، لكنه قد يهرب من كثرة القيود.

الإدارة ليست عدد الكاميرات، ولا عدد أفراد الأمن، ولا كثرة التعليمات المعلقة على الجدران. الإدارة هي القدرة على تحقيق الانضباط دون مصادرة الحياة، وعلى حماية النظام دون إهدار المنطق، وعلى احترام المالك قبل مطالبته باحترام اللوائح.

ورسالتي إلى إدارة مراسي واضحة: لا تفسدوا قصة النجاح بسوء الإدارة. استمعوا إلى الملاك قبل إصدار القرارات، وراجعوا اللوائح قبل فرضها، واسألوا أنفسكم دائمًا: هل هذه القاعدة تجعل الحياة أفضل، أم تجعلها أكثر تعقيدًا؟

نجاح مراسي ليس في مبانيها، ولا في فنادقها، ولا في شواطئها وحدها. نجاحها الحقيقي يقاس بعدد الملاك الذين يغادرونها وهم أكثر رغبة في العودة إليها، لا أكثر رغبة في الهروب منها. فالاستثمار يبنيه المال، لكن الثقة تبنيه الإدارة. وإذا خسرت الإدارة ثقة الناس، فلن تعوضها أجمل الأشجار، ولا أفخم الفنادق، ولا أروع شاطئ على البحر المتوسط.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً