ads
ads

محمد مختار يكتب عن ذكرى خميس والبقري: كلمتي للمغفلين.. لا تنخدعوا بالمظلومية ولا ترقصوا على جثث الأبرياء!

محمد مختار
محمد مختار

تتكرر المواعيد مع التاريخ، فلا تملك حيالها إلا أن تتوقف.. ليس استمتاعاً باجترار الأحزان، بل لأن التاريخ في جوهره ليس أوراقاً صفراء رقدت في أرشيف الماضي، بل هو مرآة نطل منها على وجداننا، ونقيس بها مسافة ما قطعناه، أو مازلنا ندور فيه من حلقات مفرغة. وهذا الشهر، مرّت ذكرى موجعة.. ذكرى شابين في ريعان العمر، لم يكد يجاوز أحدهما الثامنة عشرة، وتجاوز الآخر التاسعة عشرة بقليل. وبمعايير كل العصور، فإن لم يكونا طفلين شبا لتوهما عن الطوق، فهما شابان يفتحان صدرهما للدنيا بحب وتفاؤل ورغبة عارمة في الحياة والعمل.. محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري.

في هذا الوقت لم يكن العهد الجديد الذي قام لتوه على أنقاض العهد الملكي القديم قد اشتد ساعده بعد، وكانت آمال الناس العريضة معلقة على فجر مختلف، يزيل مظالم الماضي ويقيم العدل والكرامة. غير أن رياح السياسة وصراعات البدايات الصاخبة قد جرت بما لا تشتهي قلوب الأمهات ، ولا ضمائر العدالة الإنسانية التواقة للرفق. فلم يُرحم الشابان، ولم تُرحم دموع ذويهما، وكان أحدهما العائل الوحيد لأمه العجوز؛ فكأنما قُضي على الوطن أن يدفع ثمناً مبكراً وباهظاً من دماء أبنائه الطاهرين وهم على أبواب الحياة.

إننا حين نتذكر خميس والبقري، لا نبتغي النبش في القبور لجلد الذات، ولا إثارة الأوجاع بلا طائل، بل نبحث عن "الدرس". فالأمم العاقلة هي التي تتأمل محطات انكساراتها وشبابيك أخطائها، وتدرك أن بناء الأوطان الحقيقي لا يتم فوق رماد القسوة، بل على تراب الرحمة، وعدل القانون، وسيادة الضمير الإنساني الذي يعلم أن دماء الشباب تظل أغلى من أي شعار، وأثمن من أي صراع على السلطة أو البقاء.

الأحداث تتشابه إلى حد التطابق كما رواها عدد من شهود العيان ومن بينهم شقيق خميس الذي أكد أن المظاهرة العمالية فى شركة الغزل والنسيج بكفر الدوار كانت تنادى بحياة محمد نجيب والعهد الجديد وسقوط إدراة الشركة الموالية للعهد البائد ، لكن اندس بين صفوف العمال مجهولون أشعلوا النيران فى الشركة وتدافع العمال يدافعون عن شركتهم فى الوقت الذي قام فيه مدير الشركة بإطلاق النار على مصطفى خميس فتسبب فى سقوطه لكن ما حدث لم يكن يجول بخاطر أيا منهم، فقد قامت قوات الأمن حينها بمحاصرة المصنع وأطلقت النيران على العمال فسقط أحد العمال قتيلا، وهو ما دعا العمال في اليوم نفسه لعمل مسيرة لباب المصنع وعندما سمعوا بحضور الرئيس محمد نجيب رددوا هتافات “يحيا القائد العام .. تحيا حركة الجيش” وعندما تأخر نجيب – الذي لم يحضر- خرج العمال لانتظاره عند “مدخل المدينة”.

وفى طريقهم مرت مسيرة العمال على أحد نقاط الجيش وألقى العمال التحية عليهم، إلى أن وصلت مسيرة العمال لأحد الكباري وعلى الجانب الآخر منه كانت قوات الأمن تتربص بهم مشهرين أسلحتهم. وبشكل مفاجيء انطلقت رصاصة في اتجاه قوات الجيش التي راح ضحيتها أحد الجنود، وعلى الفور بدأ الجنود في فتح النار على العمال، وتم القبض على مئات العمال وتشكلت على وجه السرعة المحكمة الخاصة لمحاكمة ما سماه إعلام السلطة الجديدة في هذا الوقت بـ “العصاة”

ولكن من هو رأس الحربة في إعلام السلطة الجديدة في ذلك الوقت الذي طالب بإعدام العمال ولم يغمض له جفن وهو يطالب بإهدار دماء ذكية وبريئة، للمفارقة كان سيد قطب هو من طلب صراحة بسحق العمال، ولم يطلب سيد قطب ذلك مواربة أو عن طريق الرمز والإشارة بل طلبها صريحة في شكل من أشكال التحريض السافر على قتل الأبرياء ، كتب سيد قطب في جريدة الأخبار مقالًا بعنوان حركات لا تخيفنا في عدد 15 أغسطس 1952:

" إن عهدا عفنًا بأكمله يلفظ أنفاسه الأخيرة في قبضة طاهرة ولكنّها قويّة مكينة فلا بأس أن يرفس برجليه، ولكنه عهد انتهى، عهد قد مات، ولكن المهم هو أن نشرع في الإجهاز عليه، وأن تكون المدية حامية فلا يطول الصراع، ولا تطول السكرات، لقد أطلع الشيطان قرنيه في كفر الدوّار، فلنضرب بقوّة، ولنضرب بسرعة، وليس على الشعب سوى أن يرقبنا ونحن نحفر القبر ونهيل التراب على الرجعيّة والغوغائيّة بعد أن نجعلها تشهد مصرعها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة "

يوثق الكاتب طه سعد عثمان الأحداث فى كتابه “خميس والبقرى يستحقان إعادة المحاكمة” بالقول: ” التقى محمد نجيب بـ”خميس” وساومه بأن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد فى مقابل قيامه بالاعتراف على رفاقه العمال، وإدانة حركتهم ولكن خميس رفض، وتم تنفيذ حكم الإعدام على الشهيدين “محمد مصطفى خميس” و”محمد عبد الرحمن البقري” فى يوم 7 سبتمبر من نفس العام بسجن الحضرة بالإسكندرية تحت حراسة مشددة وسط أصوات “خميس” و”البقرى” اللذان صرخا قبل الإعدام “حنموت وإحنا مظلومين”.

أما محمد نجيب الذي وقع حكم الإعدام بنفسه، ووافق عليه، فأورد فى كتابه “شهادتى للتاريخ” ما يلي : “التقيت بهما وكنت مقتنعا ببراءتهما بل وكنت معجبا بشجاعتهما ولكن صدقت على حكم إعدامهما تحت ضغط وزير الداخلية – فى إشارة إلى جمال عبد الناصر” لمنع تكرار مثل هذه الأحداث” وكان موقف باقى الاعضاء باستثناء خالد محى الدين ويوسف منصور صديق اللذان رفضا الحكم أشد سوءا، بينما كتب “عبد اللطيف البغدادي” فى مذكراته: “كان يجب تنفيذ الحكم بالإعدام لمنع حدوث هذه الأحداث”.

لقد صمتت جميع الأحزاب في وقتها عن الحادثة، فبخلاف دعوى القتل الصريحة التي أطلقها سيد قطب فإن جماعة الإخوان شنت حملة عاتية ضد عمال كفر الدوار المضربين واتهمتهم بالخيانة . وأصدر مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد آنذاك بيانا يستنكر فيه أعمال الشغب ويدعو العمال إلى الهدوء والعمل المثمر.

والحقيقة إنني أعجز تماماً عن كبح مشاعري وأنا أسترجع هذا الحدث الجلل، فأترك للكاتبة الكبيرة صافيناز كاظم رواية ما جرى يوم الإعدام، فتورد ما عجز قلمي عن كتابته، وعجزت مشاعري عن تحمله. : تورد الكاتبة الكبيرة في مقال لها في جريدة الأهرام : ” مر مأمور السجن في الساعة الرابعة فجرا بالغرفتين رقم 62 و63 من غرف الإعدام وسأل البقري: نمت كويس؟ فقال البقري: المظلوم لا ينام ، عاوز أخويا ياخد مراتي وأولادي وأمي و3 جنيه من أماناتي ويروحوا للقائد العام محمد نجيب ويقولوا له ، ويسأل المأمور خميس: عاوز حاجة؟ فيرد خميس : عاوز أقول إني مش غلطان ، المحامي ما جابش الشاهد محمد عبد السلام خليل ، أنا عاوز شهود نفي وإعادة القضية من جديد ، أنا حاموت مظلوم ورب العباد أنا مظلوم ، تقول له أمه : شد حيلك يا محمد ، يقول لها خميس : يا أمي أنا مش ممكن أعمل حاجة وحشة ، فاكرة المحفظة اللي لقيتها وبها عشرة جنيه مش قعدت أدور لما لقيت صاحبها ؟.. لحظة إدراك البقري أنه يساق لتنفيذ الإعدام يبكي بشدة : ولادي لسه صغيرين .. عاوز أقابل القائد العام محمد نجيب ، الله هو الحُكم بيتنفذ كده علي طول؟ .. يارب علي الظالم ، ثم طلب كوبا من الماء وقال: يارب أنا رايح أقابلك دلوقت وأشتكي لك ، يارب ده أنا عسكري وكنت رايح أخدم العهد الجديد .. يا ناس محدش يعمل في معروف يخليني أقابل القائد العام محمد نجيب؟ ..وظل خميس يسأل الواعظ : فقهني في ديني .. هل من مات مظلوما مات شهيدا؟ .. وكانت هذه آخر تساؤلاته قبل صعوده شهيدا مظلوما إلي دار الحق “.

إن دماء خميس والبقري كانت لعنة على سيد قطب نفسه، وعلى محمد نجيب القائد العام الذي صدق على إعدام العاملين وهو يعلم، كما يقول في مذكراته، أنهما أبرياء. ولكن سمح له ضميره -إن كان له ضمير- أن يأمر بإعدام شابين وهو يعلم براءتهما، لمجرد أنه تعرض لضغط من آخرين كما يزعم في مذكراته.

وهنا يكمن الدرس التاريخي المؤلم: إن أكبر خطر يواجه أي ثورة أو تحول كبير، هو الفجوة الهائلة بين "أحلام الكادحين البسيطة" وبين "حسابات أهل الحكم والسلطة". فالعمال أرادوا للثورة أن تعجل بنصيبهم من العدل، بينما رأت السلطة في أي حركة مطلبية مستقلة تهديداً لوجودها ووليداً مبكراً للعصيان يجب وأده في المهد.

ولكن، شتان ما بين براءة العمال وبين قسوة الحسابات السياسية العميقة التي تُحاك في الغرف المغلقة؛ فقد تم التعامل مع هذه الصرخة البريئة بمنطق الخطر الداهم لا بمنطق العدالة الحانية، لتبدأ حكاية المحاكمة السريعة التي ختمت تلك الدقائق الدموية بصفحة مؤلمة ظل التاريخ الإنساني يطرح حولها الأسئلة، ولا يزال.

إنها لدراما التاريخ القاسية؛ أن يتحول المثقف الذي يُفترض أن يكون ضمير أمته وحارس حقوق المستضعفين، إلى صوت يدعو إلى قسوة السلطة وبطشها بالبسطاء. لقد كشف ذلك المقال، المبكر في عمر الولادة السياسية الجديدة، عن معضلة كبرى عاشتها الفكرية المصرية في عصور التحول؛ حيث يغيب العقل النقدي ويطغى منطق "الصوت الواحد"، وتتحول الأقلام من أدوات للوعي والرحمة إلى مطارق تسحق أحلام الناس على عتبات السلطة الغضة في ذلك الوقت.

يوثق الكاتب طه سعد عثمان الأحداث فى كتابه “خميس والبقرى يستحقان إعادة المحاكمة” بالقول: ” التقى محمد نجيب بـ”خميس” وساومه بأن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد فى مقابل قيامه بالاعتراف على رفاقه العمال، وإدانة حركتهم ولكن خميس رفض، وتم تنفيذ حكم الإعدام على الشهيدين “محمد مصطفى خميس” و”محمد عبد الرحمن البقري” فى يوم 7 سبتمبر من نفس العام بسجن الحضرة بالإسكندرية تحت حراسة مشددة وسط أصوات “خميس” و”البقرى” اللذان صرخا قبل الإعدام “حنموت وإحنا مظلومين”.

أما محمد نجيب الذي وقع حكم الإعدام بنفسه، ووافق عليه، فأورد فى كتابه “شهادتى للتاريخ” ما يلي : “التقيت بهما وكنت مقتنعا ببراءتهما بل وكنت معجبا بشجاعتهما ولكن صدقت على حكم إعدامهما تحت ضغط وزير الداخلية – فى إشارة إلى جمال عبد الناصر” لمنع تكرار مثل هذه الأحداث” وكان موقف باقى الاعضاء باستثناء خالد محى الدين ويوسف منصور صديق اللذان رفضا الحكم أشد سوءا، بينما كتب “عبد اللطيف البغدادي” فى مذكراته: “كان يجب تنفيذ الحكم بالإعدام لمنع حدوث هذه الأحداث”.

لقد صمتت جميع الأحزاب في وقتها عن الحادثة، فبخلاف دعوى القتل الصريحة التي أطلقها سيد قطب فإن جماعة الإخوان شنت حملة عاتية ضد عمال كفر الدوار المضربين واتهمتهم بالخيانة . وأصدر مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد آنذاك بيانا يستنكر فيه أعمال الشغب ويدعو العمال إلى الهدوء والعمل المثمر.

وحين أعجز تماماً عن كبح مشاعري، وتغص الكلمات في الحلق أمام هول ذلك الحدث الجلل، فإن أمانة التاريخ وتاريخ الوجع الإنساني تفرض علينا أن نترك القلم لمن تملكتها الشجاعة لتروي ما جرى يوم الإعدام، ناقلة ما عجزت قلوبنا عن تحمله : تكتب الكاتبة المفكرة صافيناز كاظم مسترجعة تلك اللحظات الفادحة:: تورد الكاتبة الكبيرة في مقال لها في جريدة الأهرام : ” مر مأمور السجن في الساعة الرابعة فجرا بالغرفتين رقم 62 و63 من غرف الإعدام وسأل البقري: نمت كويس؟ فقال البقري: المظلوم لا ينام ، عاوز أخويا ياخد مراتي وأولادي وأمي و3 جنيه من أماناتي ويروحوا للقائد العام محمد نجيب ويقولوا له ، ويسأل المأمور خميس: عاوز حاجة؟ فيرد خميس : عاوز أقول إني مش غلطان ، المحامي ما جابش الشاهد محمد عبد السلام خليل ، أنا عاوز شهود نفي وإعادة القضية من جديد ، أنا حاموت مظلوم ورب العباد أنا مظلوم ، تقول له أمه : شد حيلك يا محمد ، يقول لها خميس : يا أمي أنا مش ممكن أعمل حاجة وحشة ، فاكرة المحفظة اللي لقيتها وبها عشرة جنيه مش قعدت أدور لما لقيت صاحبها ؟.. لحظة إدراك البقري أنه يساق لتنفيذ الإعدام يبكي بشدة : ولادي لسه صغيرين .. عاوز أقابل القائد العام محمد نجيب ، الله هو الحُكم بيتنفذ كده علي طول؟ .. يارب علي الظالم ، ثم طلب كوبا من الماء وقال: يارب أنا رايح أقابلك دلوقت وأشتكي لك ، يارب ده أنا عسكري وكنت رايح أخدم العهد الجديد .. يا ناس محدش يعمل في معروف يخليني أقابل القائد العام محمد نجيب؟ ..وظل خميس يسأل الواعظ : فقهني في ديني .. هل من مات مظلوما مات شهيدا؟ .. وكانت هذه آخر تساؤلاته قبل صعوده شهيدا مظلوما إلي دار الحق “.

إن دماء خميس والبقري لم تكن مجرد قطرات سقطت على أرض المصنع، بل ظلت لعنة تلاحق التاريخ وأصحابه؛ لعنة طالت سيد قطب نفسه، وطالت اللواء محمد نجيب، القائد العام الذي صدق على إعدام الشابين وهو يعلم -كما اعترف بنفسه في مذكراته- أنهما أبرياء!

ولكن، أي ضمير هذا الذي يسمح لرجل في قمة السلطة أن يأمر بإهدار دماء زكية لمجرد أنه خضع لضغوط هنا أو حسابات هناك؟ وبجرّة قلم سريعة، أُزهقت أرواح بريئة، ليذهب المسؤول بعدها مرتاح البال ليتناول طعام الغداء مع أسرته، أو ليلقي رأسه على فراش دافئ وناعم، غير آبه بأن هناك أماً حزينة تندب ولدها الوحيد، ووطناً يغرس في أجياله الأولى بذور القسوة والظلم بدلاً من العدل والرحمة.

إن استدعاء هذا الحادث الصادم من تاريخ مصر الحديث ليس رغبةً في النبش، بل هو ناقوس إنذار باقٍ؛ ينبهنا أولاً إلى خطورة الانسياق وراء حملات الكراهية العمياء التي يروج لها البعض متى ملَكوا أدوات التأثير والتعبئة، وينهينا ثانياً عن الوقوع في فخ «المظلومية الزائفة»؛ فسيد قطب لم يكن مظلوماً حين هجَس بقلمه داعياً إلى سحق العمال ومستبشراً بإعدام الأبرياء، ومحمد نجيب لم يكن مظلوماً وهو في أوج سلطته حين وقّع بيده على إهدار دم طاهر. فهذه الواقعة التاريخية الثابتة تنفي بلا شك أي ادعاء للمظلومية لسيد قطب أو محمد نجيب، فما حاق بالاثنين ليس إلا لعنة الدماء التي تطارد من يسفكها حتى لا تلفتَه.

فكلمتي للمغفلين: لا تنخدعوا بالمظلومية، ولا ترقصوا على جثث الأبرياء!

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً