ads
ads

داليا عماد تكتب: هل تنتظر مصر رئيسًا مدنيًا؟

قراءة في حديث السيسي عن إعداد القادة وملامح ما بعد 2030

  داليا عماد.. المشرف العام على التحرير في أهل مصر
داليا عماد.. المشرف العام على التحرير في أهل مصر

هل تفتح تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الباب أمام رئيس مدني يتولى المسؤولية بعده؟ سؤال توقفت أمامه وأنا أتابع حديثه عن إعداد قادة للدولة، وفتح المجال أمام حملة الماجستير والدكتوراه، في مختلف التخصصات، للتأهيل داخل الأكاديمية العسكرية.

في قراءتي، يحمل هذا الحديث دلالة تتجاوز إعداد وزراء ومسؤولين جدد. فعندما يقترن الكلام عن نهاية المرحلة الرئاسية بإعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية، ورفض تجهيز أحد من الأسرة أو الأقارب، يصبح من المشروع أن نسأل عن شكل القيادة التي يمكن أن تأتي بعد الرئيس.

ما استوقفني تحديدًا هو الفئة التي يتحدث عنها. حملة الماجستير والدكتوراه، ممن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين، يمثلون شريحة يمكن أن تجمع بين المعرفة المتخصصة والخبرة العملية والنضج. وفتح المجال أمام هذه الشريحة، مع تحمل أعباء تأهيلها، قد يتيح للدولة اكتشاف كفاءات مدنية لم تتح لها فرصة الظهور أو الوصول إلى مواقع القرار.

هنا أرى أساس الفكرة. فقد يكون بين هؤلاء أستاذ جامعة، أو اقتصادي، أو طبيب، أو مهندس، أو مدرس ، يمتلك قدرة على الإدارة ورؤية تتجاوز حدود تخصصه. شخص يحتاج إلى فرصة وإعداد وخبرة أوسع بمؤسسات الدولة، حتى يصبح قادرًا على الانتقال من إدارة ملف إلى تحمل مسؤولية أكبر.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التصريحات باعتبارها فتحًا لمسار قد يخرج منه، مستقبلًا، رئيس من خلفية مدنية وتكنوقراطية. هذا احتمال أطرحه، لكنه احتمال يستحق النقاش.

وقد يبدو للبعض أن التدريب داخل الأكاديمية العسكرية يتعارض مع هذه القراءة. لكن مكان التأهيل وحده لا يحدد الخلفية المهنية للمتدرب؛ فالمدني الذي يتلقى برنامجًا لإعداد القيادات داخل مؤسسة عسكرية لا يتحول بذلك إلى ضابط. وتظل طبيعة البرنامج ومضمونه، وما يمنحه من معرفة وخبرة، عناصر أساسية لفهم الهدف منه.

السؤال عندي هو ما إذا كان هذا المسار سيسمح بظهور قيادات مدنية تمتلك، إلى جانب تخصصها، فهمًا للأمن القومي والاقتصاد والإدارة وعلاقات مصر الخارجية، وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.

أما رفض تجهيز أحد من الأسرة، فأقرأه إلى جانب الدعوة إلى إعداد الكفاءات باعتباره تأكيدًا لأهمية البحث في دائرة أوسع من الأشخاص. أن مصر تحتاج إلى أكثر من اسم جاهز وتحتاج إلى مجموعة من القيادات التي يمكن تقييم أدائها، ومقارنة رؤاها، واختبار قدرتها على خدمة الناس، وأن دائرة الحكم قد تشهد أشخاصاً من خارج المؤسسة العسكريه .

لكن الوصول إلى الرئاسة يحتاج إلى ما هو أبعد من الشهادة العلمية والتدريب. فالتكنوقراط قد يمتلكون حلولًا متخصصة، بينما تتطلب القيادة السياسية أيضًا القدرة على ترتيب الأولويات، والتواصل مع المواطنين، واستيعاب اختلاف المصالح، وبناء الثقة، وتحمل المساءلة.

ولهذا، فإن نجاح إعداد هذه الكوادر ينبغي أن يظهر في العمل العام. أن تتولى مسؤوليات فعلية، وتواجه مشكلات حقيقية، وتقدم نتائج يمكن للمواطن أن يراها ويحكم عليها. عندها تصبح الكفاءة خبرة مثبتة، ويصبح الحديث عن قيادة مستقبلية قائمًا على أداء معروف.

ومن الضروري أيضًا أن يظل الفارق واضحًا بين إعداد القادة واختيار رئيس الجمهورية. فالتأهيل يوسع دائرة القادرين على تحمل المسؤولية، أما الوصول إلى الرئاسة فله مساره الانتخابي، ويظل اختيار المواطنين هو الفيصل.

لا أقول إن الرئيس حسم أن خليفته سيكون مدنيًا، ولا إن الدعوة إلى تدريب حملة الدراسات العليا تعني تلقائيًا إعداد رئيس بعينه. ما أراه أن هذه التصريحات تتيح قراءة تستحق الاهتمام ، وهي أن الكفاءات المدنية قد تكون جزءًا من التفكير في مستقبل قيادة الدولة، وصولًا إلى أعلى مواقع المسؤولية.

ومن هنا تصبح الاجابه على سؤال هل تنتظر مصر رئيسًا مدنيًا بعد السيسي؟ إجابة غير محسومة بعد. لكن إعداد كفاءات مدنية مؤهلة، ومنحها فرصة حقيقية للعمل والظهور والاختبار، قد يجعل هذا الاحتمال أقرب إلى النقاش الجاد. وربما كانت هذه هي الدلالة الأبعد التي توقفت أمامها في حديث الرئيس.

ومع ذلك، يبقى عامل الوقت أحد أبرز التحديات التي تواجه هذا التصور ، فنحن على أعتاب عام 2027، وإذا كان الأفق الذي حدده الرئيس لانتهاء فترته الرئاسية هو عام 2030، فإن السؤال يصبح هل تكفي السنوات الثلاث المقبلة لإعداد قيادات من خارج دائرة العمل السياسي، ومنحها الخبرة اللازمة لتحمل مسؤوليات الدولة؟ فالتأهيل، مهما كانت جودته، يحتاج إلى فرصة للتطبيق، ثم إلى وقت لاختبار الأداء وتقييم القدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات. وقد يمتلك أصحاب التخصصات العلمية خبرات ذات قيمة أكاديمية فى مجالاتهم ، لكن الانتقال منها إلى القيادة السياسية يتطلب تجربة أوسع واحتكاكًا مباشرًا بقضايا المجتمع ومؤسسات الدولة. وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم صعوبات الطرح ، فالمساحة الزمنية المتاحة مطالبة بأن تستوعب الاختيار والتأهيل والممارسة والتقييم معًا.

فهل تكفي الثلاث سنوات القادمة لصناعة قيادات قادرة على تحمل هذه المسؤولية، أم أن ضيق الوقت سيكون الاختبار الأصعب لهذه الرؤية؟

ومع هذه التحديات، يظل الطرح الذي قدمه اليوم الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مجمله، طرحًا جريئًا وجديرًا بالاهتمام ، بما يحمله من دعوة إلى مشاركة المجتمع المصري في اكتشاف قياداته، ومطالبة مؤسسات الدولة بدعم إعدادها وتأهيلها. وفي تقديري، قد يفتح هذا التوجه آفاقًا جديدة للحراك السياسي في مصر، تتسع لدور الأحزاب، وتمتد إلى كفاءات لم تدخل بعد دائرة العمل السياسي. وربما يدفع من يرى في نفسه القدرة على حمل هذه الأمانة إلى التفكير بجدية في خوض تجربة العمل العام، وبناء خبرته السياسية، والاستعداد لمسؤولية تبدأ بخدمة الناس، وتكتسب قيمتها من ثقتهم.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
السيسي: «مصر مش عقيمة على إنها تنتج أحسن مني 100 مرة»