ليست كل الزيارات مجرد بروتوكول، وليست كل اللقاءات التي تجمع مسؤولًا رياضيًا بنجم كبير مجرد جلسة ودية لتبادل المجاملات. أحيانًا تحمل الزيارة رسائل أكبر من تفاصيلها، وتكشف عن أزمة لم تعد محصورة داخل غرفة الملابس، بل امتدت لتصبح قضية رأي عام.
وهذا تحديدًا ما يمكن قراءته في زيارة المهندس هاني أبو ريدة، رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، إلى محمد صلاح في تركيا.
فالرجل لم يذهب فقط للقاء لاعب مصري محترف في الخارج، بل ذهب في توقيت شديد الحساسية، بعد توتر العلاقة الذي أثارته أحداث معسكر المنتخب، وقرار حسام حسن استبدال صلاح في مواجهة أنغولا، وما تبع ذلك من نقاشات واسعة حول طبيعة العلاقة بين قائد المنتخب وجهازه الفني.
الزيارة، وفق ما أعلنه الاتحاد المصري وما نقلته وسائل الإعلام عن كواليس اللقاء، استهدفت تقريب وجهات النظر، وتذليل العقبات، والتأكيد على أهمية استمرار صلاح في قيادة المنتخب، وتهيئة الأجواء قبل المعسكر المقبل.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس: لماذا زار أبو ريدة محمد صلاح؟ بل: لماذا أصبح من الضروري أن يسافر رئيس اتحاد الكرة إلى لاعب محترف خارج البلاد من أجل احتواء أزمة تتعلق بالمنتخب الوطني؟
في كرة القدم، هناك فارق بين تقدير النجم وبين وضع المؤسسة في موقف يبدو وكأنها تسعى إلى استرضائه.
محمد صلاح ليس لاعبًا عاديًا في تاريخ الكرة المصرية. نحن أمام تجربة احترافية استثنائية، واسم تجاوز حدود الملعب، وأصبح علامة مصرية معروفة على المستوى الدولي. ومن الطبيعي أن يحظى بالتقدير والاحترام، وأن تتعامل معه مؤسسات الكرة باعتباره أحد أهم أصولها المعنوية والرياضية.
لكن في المقابل، المنتخب الوطني ليس مؤسسة قائمة على مكانة لاعب واحد، مهما بلغت قيمته.
فالمنتخب ملك للجميع، والجهاز الفني له صلاحياته، واللاعبون مهما اختلفت أسماؤهم ومكانتهم يخضعون لمنظومة واحدة.
وهنا تكمن حساسية زيارة أبو ريدة. إذا كانت الزيارة رسالة تقدير واحتواء وإزالة لسوء الفهم، فهي خطوة إدارية مفهومة ومطلوبة. أما إذا تحولت إلى نموذج تتراجع فيه المؤسسة أمام ضغوط النجومية، فإن الرسالة التي قد تصل إلى بقية اللاعبين ستكون أكثر تعقيدًا من الأزمة نفسها.
من أبرز النقاط التي صاحبت هذه الأزمة ما أثير إعلاميًا حول الفارق بين حجم الاحتفاء الذي يلقاه محمد صلاح في تجربته الاحترافية خارج مصر وبين طبيعة التعامل معه داخل المنتخب المصري.
ففي الملاعب الأوروبية، اعتاد صلاح أن يكون نجمًا يحظى باهتمام استثنائي، وأن تتعامل معه المؤسسات الرياضية باعتباره قيمة كروية كبيرة.
ومن الطبيعي أن تكون لديه توقعات مختلفة بشأن إدارة مكانته داخل المنتخب، لكن لا ينبغي أن نخلط بين تقدير اللاعب وحقه في المشاركة طوال المباراة.
من حق صلاح أن يشعر بالضيق من الاستبدال، ومن حق الجهاز الفني أن يتخذ القرار الذي يراه مناسبًا. وبين الحقين مساحة واسعة للحوار والاحترافية والاحترام المتبادل.
وربما يكون المدير الفني حسام حسن هو الطرف الأكثر حساسية في مشهد الزيارة.
فحسام حسن ليس مجرد مدرب يدير مجموعة من اللاعبين، بل هو أحد أبرز رموز الكرة المصرية، وصاحب تاريخ دولي كبير، وشخصية ارتبطت دائمًا بالروح القتالية والانضباط داخل الملعب.
ومن الطبيعي أن تكون لديه قناعات فنية، وأن يتمسك بحقه في اختيار التشكيل وإجراء التغييرات واستبدال أي لاعب، حتى لو كان محمد صلاح.
لكن قيادة منتخب وطني لا تتوقف عند امتلاك القرار الفني؛ إنها تحتاج أيضًا إلى إدارة العلاقات الإنسانية داخل المجموعة، وإدراك أن التعامل مع لاعب بحجم صلاح يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة، دون التفريط في صلاحيات المدير الفني.
ولا ينبغي أن تتحول العلاقة بين الرجلين إلى معركة نفوذ أو صراع على من ينتصر في النهاية. فالمدرب ليس مطالبًا بالاعتذار عن كل قرار فني، وصلاح ليس مطالبًا بالتخلي عن مكانته أو مشاعره، وإنما المطلوب أن يتفق الطرفان على قاعدة واضحة: الاحترام المتبادل، والالتزام بمصلحة المنتخب.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل انتصر صلاح قبل أن تبدأ المباراة؟
هذا السؤال قد يبدو قاسيًا، لكنه مشروع في ظل الطريقة التي جرى بها التعامل مع الأزمة.
فحين يتحرك رئيس اتحاد الكرة بنفسه للقاء لاعب، ويصبح احتواء اللاعب محورًا لتحرك إداري وإعلامي، قد ينظر البعض إلى الأمر باعتباره انتصارًا لمكانة النجم، بينما قد يراه آخرون تراجعًا من المؤسسة أمام قوة الاسم الجماهيري.
لكن الحكم على الزيارة لا يكون بمجرد حدوثها، وإنما بما ستنتجه.
هل ستعود العلاقة إلى طبيعتها؟ هل سيشارك صلاح في المعسكر المقبل بصورة طبيعية؟ وهل سيظل الجهاز الفني قادرًا على اتخاذ قراراته دون أن تتحول كل عملية استبدال إلى أزمة جديدة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
فإذا كانت الزيارة قد نجحت في فتح صفحة جديدة، دون أن تنتقص من صلاحيات حسام حسن، ودون أن يشعر صلاح بأن مكانته محل خلاف، فإن الجميع سيكون رابحًا.
أما إذا كانت مجرد هدنة إعلامية، فإن الأزمة قد تعود عند أول قرار فني لا يرضي أحد الأطراف.
الجمهور المصري يعيش هذه الأزمة من زاوية عاطفية في المقام الأول. هناك قطاع واسع يرى في محمد صلاح نموذجًا للنجاح المصري، ويفخر بما حققه في الملاعب الأوروبية، ويعتبره واجهة كروية تستحق كل أشكال الدعم.
وفي المقابل، هناك من يتمسك بفكرة أن المنتخب أكبر من أي لاعب، وأن حسام حسن يجب أن يمتلك كامل الحرية في إدارة فريقه.
والحقيقة أن الموقفين ليسا متناقضين بالضرورة.
يمكن أن تحب محمد صلاح، وتدافع عن مكانته، وفي الوقت نفسه تؤمن بأن قرارات الجهاز الفني لا ينبغي أن تخضع لشعبية اللاعبين.
كما يمكن أن تحترم حسام حسن وتاريخه، دون أن تمنحه حصانة من النقد أو تمنع مساءلته عن قراراته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش إلى معسكرين: مع صلاح ضد حسام، أو مع حسام ضد صلاح.
فالمنتخب لا يحتاج إلى انتصار طرف على الآخر، بل يحتاج إلى انتصار فكرة الفريق.
ما حدث يجب ألا ينتهي بصورة تذكارية أو تصريحات مطمئنة، فعلى اتحاد الكرة أن يستفيد من هذه الواقعة في وضع قواعد واضحة لإدارة العلاقة بين النجوم والجهاز الفني، وأن تكون هناك قنوات تواصل مؤسسية تحل الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات جماهيرية.
وعلى الجهاز الفني أن يدرك أن إدارة النجوم تحتاج إلى مهارات تتجاوز الجوانب التكتيكية، دون أن يتنازل عن سلطته الفنية.
وعلى محمد صلاح أن يدرك أن شارة القيادة ليست مجرد تقدير لمسيرته، بل مسؤولية مضاعفة تجاه زملائه والجماهير والمنتخب.
أما الجمهور، فعليه أن يتذكر أن النجوم يرحلون، والمدربون يتغيرون، لكن قميص المنتخب يبقى.
في النهاية، لا نريد صلاح منتصرًا على حسام، ولا حسام منتصرًا على صلاح. نريد منتخبًا لا تهزه خلافات الكبار، ولا تتوقف طموحاته على رضا نجم أو قناعة مدرب.
نريد أن يكون محمد صلاح في المكان الذي يستحقه، وأن يكون حسام حسن في موقعه الفني الذي تمنحه له مسؤولياته، وأن يكون هاني أبو ريدة رئيسًا لاتحاد قادر على إدارة المنظومة، لا مجرد وسيط بين أطراف الأزمة.
فالنجومية لا تعني أن تصبح فوق الفريق، والسلطة الفنية لا تعني أن تصبح فوق الحوار.
قد تربح مباراة بمهارة نجم، لكنك لا تستطيع بناء منتخب بمهارة نجم واحد فقط.