في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل النظام الدولي وأدوات إدارة الصراعات، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من النقاش بإعلانه عن مقترح لتأسيس كيان دولي تحت مسمى «مجلس السلام». المقترح، الذي يُطرح باعتباره آلية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام وإعادة الإعمار، أثار تساؤلات واسعة حول دوافعه الحقيقية، وطبيعة صلاحياته، وما إذا كان يمثل محاولة لإعادة صياغة دور الأمم المتحدة أو استبدالها بهيئة تقودها واشنطن وفق رؤيتها الخاصة، خاصة في ما يتعلق بملف غزة وما بعد الحرب.
مجلس السلام
أثار مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأسيس كيان دولي تحت مسمى 'مجلس السلام' موجة واسعة من الشكوك والانتقادات، وسط تساؤلات حول أهدافه الحقيقية، وحدود صلاحياته، وإمكانية أن يتحول إلى بديل عملي للأمم المتحدة تقوده واشنطن وفق رؤيتها الخاصة للنظام الدولي وإدارة الصراعات، وعلى رأسها ملف غزة.ونشرت صحيفة 'واشنطن بوست' تقريرا أعدته لورين كاوري غيرلي ومايكل بيرنباوم قالا فيه إن الدعوات المتزايدة من ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى قادة العالم للانضمام إلى 'مجلس السلام' الجديد، الذي يسوق له كمنظمة دولية لبناء السلام، إلا أن الحصول على مقعد دائم في المجلس سيكلف الدول مليار دولار.
وأكد مسؤول أمريكي أن هذا المبلغ يمثل تكلفة العضوية الدائمة، لكنه أضاف أنه لا يوجد 'شرط' للمساهمة بأي مبلغ للانضمام، وأن الدول التي لا تدفع الرسوم ستتمتع بعضوية لمدة ثلاث سنوات.
وقد شارك المسؤول الأمريكي هذه التفاصيل شريطة عدم الكشف عن هويته.
وكانت وكالة 'بلومبيرج' الإخبارية أول من نشر خبر الرسوم، وأكد المسؤول الأمريكي وجود مسودة لميثاق المجلس المقترح، لكن البيت الأبيض لم يعلن عنها. وقد نشرت صحيفة 'تايمز أوف إسرائيل' نسخة منها على الإنترنت يوم الأحد.
وأعلن البيت الأبيض يوم الجمعة، وسط ضجة إعلامية كبيرة، عن إنشاء مجلس إدارة جديد كجزء من خطة ترامب للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، إلا أن مسودة الميثاق المتداولة لا تتضمن أي إشارة مباشرة إلى القطاع.
وقد أثار ذلك تكهنات بأن ترامب يهدف إلى إنشاء هيئة بديلة للأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة.
دعوات لقادة العالم
وتم توجيه دعوات لقادة العالم، بمن فيهم قادة الأرجنتين وكندا ومصر وفرنسا والمجر والهند وإيطاليا وتركيا، للانضمام إلى ميثاق بناء السلام الدولي.
كما وجهت الدعوة إلى الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، وفقا لما أعلنته وزارة الخارجية الأردنية يوم الأحد. وأكدت مصر وتركيا استلامهما الدعوة، لكنهما لم تعلنا بعد موقفهما من الانضمام.
صلاحيات أوسع تتخطى غزة
ويبدو أن نسخة من مسودة الميثاق، التي نشرتها صحيفة 'تايمز أوف إسرائيل'، تعطي صورة عن صلاحيات أوسع بكثير للمجلس مقارنة بما وصفه ترامب في أكتوبر الماضي، عندما ساهم في إبرام اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الإسرائيلية المدمرة التي استمرت عامين على غزة، وأدى إلى إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين المتبقين. وفي الشهر التالي، وافق مجلس الأمن الدولي على خطة ترامب لإنشاء مجلس يشرف على جهود إعادة إعمار غزة.
ووفقا للمسودة، تتمثل مهمة المجلس في 'تعزيز الاستقرار وإعادة الحكم الرشيد والقانوني وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع'.
كما يؤكد الميثاق على 'الحاجة إلى هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام'، ويدعو إلى 'تحالف من الدول المستعدة والملتزمة بالتعاون العملي واتخاذ الإجراءات الفعالة'.
وعلق مسؤول أوروبي رفيع المستوى، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته أن القادة الأوروبيين يتشاورون فيما بينهم بشأن طموحات ترامب الواسعة لمجلس إدارة المنظمة، ومن غير المرجح أن يوافق معظمهم على تشكيله الحالي.
لكن هؤلاء القادة أنفسهم لا يرغبون في إشعال فتيل خلاف جديد مع ترامب في ظل مواجهتهم له بشأن غرينلاند وحاجتهم الماسة لدعم أوكرانيا التي تعاني من شتاء قارس وتصاعد الهجمات الروسية. وأضاف المسؤول الأوروبي أن هناك أيضا عزوفا عن المساهمة بمبالغ طائلة في منظمة جديدة يهيمن عليها رؤية ترامب لنظام عالمي جديد، حتى مع استمرار التزام الأوروبيين بالمساهمة في تمويل إعادة إعمار غزة.
ونقلت الصحيفة عن المسؤول الأمريكي قوله إن الأموال ستستخدم مباشرة لتنفيذ مهمة مجلس السلام المتمثلة في إعادة إعمار غزة بالكامل. وسيضمن المجلس استخدام جميع الأموال تقريبا لتنفيذ هذه المهمة، وعدم إنفاقها على 'التضخم الإداري الذي تعاني منه العديد من المنظمات الدولية الأخرى'.
ووصف الدبلوماسي الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر مجلس ترامب بأنه 'استعراضي'، وشكك بقدرته للعمل في الساحة الدولية.
وقال ميلر: 'نحن بحاجة إلى دبلوماسية ميدانية، لا إلى تشكيل لجان استعراضية وإقحام عدد كبير من الدول والأفراد في عملية لن يكون لمعظمهم فيها أي دور فعلي ونحن بحاجة إلى ترامب، ونحتاج إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ونحتاج إلى قيادة حماس الداخلية والخارجية، ونحتاج إلى القطريين والأتراك'.
وبحسب مسودة النظام الأساسي، سيعقد مجلس السلام اجتماعات تصويت مرة واحدة على الأقل سنويا، وسيكون جدول الأعمال خاضعا لموافقة الرئيس.
وأضاف ميلر: 'مجلس السلام مفهوم أشبه بعالم خيالي بعيد، لا يمت بصلة إلى واقعنا على كوكب الأرض' و 'لن يتمكن مجلس السلام من حل النزاع في السودان.
ولن يفعل ما عجز عنه الوسطاء الأمريكيون والأوروبيون فيما يتعلق بالتوصل إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا'.
وحسب النظام الأساسي، سيقرر ترامب من يدعى للانضمام إلى مجلس الإدارة.
وأعلن في يوم الجمعة، عن سبعة أعضاء في مجلس تنفيذي مؤسس، من بينهم صهره جاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوث الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
هذا إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين، هم رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، ونائب مستشار الأمن القومي روبرت غابرييل، والملياردير مارك روان، رئيس قسم الاستثمار الخاص.
وينص مشروع القانون على أن القرارات ستتخذ بالأغلبية، حيث يحصل كل عضو على صوت واحد. إلا أن الرئيس يملك حق النقض (الفيتو)، إذ يتمتع بـ'السلطة النهائية فيما يتعلق بمعنى وتفسير وتطبيق هذا الميثاق'، مما يضع ترامب مجددا في موقع القيادة.
إلى جانب مجلس السلام، أعلن البيت الأبيض يوم الجمعة عن تشكيل لجنة عمليات ثانوية تعرف باسم المجلس التنفيذي لغزة. ويضم هذا المجلس كلا من كوشنر وويتكووف وبلير ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان والدبلوماسي القطري علي الذوادي.
وقد أعرب مسؤولون إسرائيليون بالفعل عن معارضتهم لخطة ترامب. وقال مكتب نتنياهو إن إعلان المجلس 'لم يتم بالتنسيق مع إسرائيل' و'يتعارض مع سياستها'، وذلك بسبب الخلاف حول ضم دبلوماسيين من تركيا وقطر.
وانتقد خالد الجندي، الباحث الفلسطيني في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتاون، المقترح أيضًا.
وكتب على موقع منصة إكس:'لا يوجد أي ذكر للفلسطينيين أو حقوقهم، أو مصالحهم أو حتى قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وهي أمور لا تمثل أي أولوية لبلير أو ترامب أو ما يُسمى بمجلس السلام'.
وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن ترامب طرح عليه فكرة مجلس السلام قبل عدة أسابيع، وأنه وافق عليها 'مبدئيا'.
لكنه أشار إلى وجود عدة تساؤلات لديه حول آلية عمله.
وقال للصحفيين في الدوحة، قطر، يوم الأحد: 'فيما يتعلق بتفاصيل مجلس السلام، لم نتناول جميع تفاصيل هيكله وكيفية عمله ومصادر تمويله وما إلى ذلك. سنناقش هذه الأمور في الأيام المقبلة'.