في السنوات الأخيرة، لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض فقط، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتدفقات البيانات العابرة للحدود.
وفي قلب هذا التحول الرقمي برز تطبيق 'تيك توك' كواحد من أكثر المنصات تأثيرًا على الرأي العام العالمي، خصوصًا بين فئة الشباب، ومع تصاعد الضغوط الأمريكية على الشركة المالكة له، ByteDance، دخلت شركة 'أوراكل كوبيريشن' على خط الأزمة، مدعومة بعلاقة وثيقة مع مؤسسها الملياردير الإسرائيلي 'لاري إليسون'.
وبينما كان الدافع المعلن هو “الأمن القومي الأمريكي”، تزامن هذا التحول مع اندلاع حرب غزة، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول علاقة ملكية منصات التواصل الاجتماعي بتشكيل السردية الإعلامية في النزاعات المسلحة.
لماذا أرادت واشنطن فصل تيك توك؟
بدأت الأزمة عندما عبّرت إدارات أمريكية متعاقبة عن مخاوفها من أن تطبيق تيك توك قد يشكل تهديدًا للأمن القومي، بحكم ارتباطه بشركة صينية وخضوعه نظريًا للقوانين الصينية المتعلقة بمشاركة البيانات.
ومع تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكم طُرحت فكرة إجبار الشركة على بيع عملياتها داخل الولايات المتحدة إلى كيان أمريكي، أو مواجهة الحظر الكامل.
القلق الأمريكي تمحور حول نقطتين أساسيتين الأولى تتعلق ببيانات المستخدمين الأمريكيين وإمكانية وصول جهات أجنبية إليها، والثانية تتعلق بخوارزمية التوصية التي تتحكم في المحتوى المعروض للمستخدمين.
فهذه الخوارزمية، التي تحدد ما يشاهده مئات الملايين يوميًا، تمثل أداة تأثير هائلة على الرأي العام، وفقا لوكالة رويترز.
دخول أوراكل من مزود تقني إلى شريك استراتيجي
في خضم هذه الضغوط، ظهرت شركة أوراكل المملكة لرجل الأعمال الإسرائيلي كأحد الحلول المطروحة.
الشركة المعروفة بتخصصها في قواعد البيانات والحوسبة السحابية، عرضت استضافة بيانات المستخدمين الأمريكيين داخل أمريكا، تحت إشرافها.
ومع تطور المفاوضات، جرى الحديث عن إنشاء كيان أمريكي جديد يضم مستثمرين محليين، على أن تتولى أوراكل دورًا محوريًا في إدارة البيانات وضمان “الأمن السيبراني”.
رغم أن الصفقة لم تكن استحواذًا كاملًا بالمعنى التقليدي، فإنها مثلت تحولًا كبيرًا في هيكل إدارة التطبيق داخل السوق الأمريكية.
فإشراف شركة أمريكية على البنية التحتية للبيانات يعني عمليًا انتقال جزء من السيطرة التقنية إلى الداخل الأمريكي، حتى لو بقيت الملكية الأساسية لـ ByteDance.
هنا يبرز اسم 'لاري إليسون'، المعروف بعلاقاته السياسية القوية داخل الولايات المتحدة واستثماراته المتشعبة عالميًا، لذا فإن دخوله في هذا الملف عززت فكرة أن المسألة تتجاوز مجرد صفقة تجارية، لصالح الجيش الإسرائيلي، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
قلب المعركة غير المرئية
ما يجعل تيك توك مختلفًا عن غيره من المنصات هو قوة خوارزمية “For You”، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك المستخدمين وتقديم محتوى مصمم خصيصًا لهم.هذه الخوارزمية ليست مجرد أداة ترفيه، بل أصبحت مصدرًا رئيسيًا للأخبار والمعلومات لدى ملايين الشباب حول العالم.
ومع اندلاع حرب غزة، تحولت المنصة إلى ساحة نقاش محتدمة، حيث انتشرت مقاطع توثق الدمار والمعاناة الإنسانية، إلى جانب محتوى منتقد لإسرائيل أو مؤيد لحركة حماس.
في هذا السياق، أصبح السؤال إذا كانت خوارزمية تيك توك في الولايات المتحدة تخضع لإشراف تقني أمريكي إسرائيلي، فهل يمكن أن يؤثر ذلك على طبيعة المحتوى السياسي المعروض؟ بالطبع نعم.
حرب غزة والمنصات الرقمية
حرب غزة لم تكن فقط مواجهة عسكرية، بل كانت أيضًا معركة روايات على المنصات الرقمية. مقاطع الفيديو القصيرة أصبحت أداة تعبئة وتضامن، كما أصبحت وسيلة لنقل صور لا تمر عبر القنوات الإعلامية التقليدية.هذا التحول منح تيك توك وزنًا سياسيًا غير مسبوق، فبينما تعتمد القنوات الإخبارية على التحرير والمراجعة، ينتشر المحتوى على المنصة بسرعة هائلة، أحيانًا دون تحقق كافٍ. وهنا تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع حرية التعبير، خاصة في بيئة مشحونة سياسيًا.
البعض يرى أن نقل السيطرة التقنية إلى شركة أمريكية قد يهدف إلى ضمان التأثير على الرأي العام لصالح الكيان الإسرائيلي.
فإذا كانت الخوارزميات تحدد ما نراه ونفكر فيه، فإن السيطرة عليها تمثل سلطة هائلة. وفي أوقات النزاعات، تصبح هذه السلطة أكثر حساسية. ومع استمرار حرب غزة، ظل تيك توك منصة مركزية لتداول الصور والقصص التي قد تؤثر على الرأي العام الغربي، وربما حتى على مواقف الحكومات.
لذا لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والدبابات، بل أيضًا بالبيانات والخوارزميات. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل حرية التعبير، وحدود الأمن القومي، ودور الشركات العملاقة في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا بالسياسة بشكل غير مسبوق.