في تطور لافت يحمل أبعادًا تتجاوز الإطار القنصلي، أعلنت الولايات المتحدة بدء تقديم خدمات إصدار جوازات السفر داخل مستوطنة إفرات بالضفة الغربية، في خطوة وصفتها إسرائيل بالتاريخية. وبينما تؤكد واشنطن أن القرار يأتي ضمن جهودها لخدمة مواطنيها أينما كانوا، يرى مراقبون أن التحرك يحمل دلالات سياسية حساسة، خاصة في ظل تصاعد التوسع الاستيطاني والإدانات العربية المتكررة لأي إجراءات قد تُفسَّر باعتبارها تطبيعًا مع واقع المستوطنات.
تقديم خدمات قنصلية في مستوطنة
إعلان الولايات المتحدة بدء تقديم خدمات إصدار جوازات السفر داخل مستوطنة في الضفة الغربية ليس مجرد خطوة إدارية عابرة، بل يحمل أبعادًا سياسية وقانونية عميقة قد تعكس تحولات في طريقة تعاطي واشنطن مع ملف الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فالقرار الذي يشمل تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة إفرات يُنظر إليه باعتباره سابقة لافتة، خصوصًا في ظل الحساسية الدولية المرتبطة بوضع المستوطنات.ما هي مستوطنة إفرات؟
ووفقا لشبكة cnn الامريكية تقع إفرات جنوب بيت لحم، وهي واحدة من التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية. ووفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، تُعتبر المستوطنات المقامة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 غير شرعية.
ورغم أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ترفض هذا التوصيف، فإن غالبية المجتمع الدولي، بما في ذلك دول أوروبية حليفة لواشنطن، تتبنى موقفًا واضحًا يعتبر الاستيطان عقبة أمام حل الدولتين.
من هنا، فإن قيام السفارة الأمريكية بتقديم خدمات رسمية داخل مستوطنة يكتسب طابعًا سياسيًا يتجاوز الجانب القنصلي. صحيح أن التبرير المعلن يتحدث عن “الوصول إلى جميع المواطنين الأمريكيين” في إطار مبادرة خدمية، إلا أن اختيار موقع داخل الضفة الغربية دون غيره يمنح الخطوة دلالة خاصة. فواشنطن كانت تاريخيًا حريصة على إبقاء تعاملها مع المستوطنات في إطار محدود، لتفادي الظهور بمظهر الداعم لشرعنتها.
الخطوة يمكن قراءتها في سياق أوسع من التغييرات التي شهدتها السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة. فقد سبق لواشنطن أن اتخذت قرارات اعتُبرت تحولًا في النهج التقليدي، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها. ومع أن الإدارات الأمريكية تختلف في درجة انحيازها أو توازنها، فإن أي تحرك عملي داخل المستوطنات يظل موضع تدقيق إقليمي ودولي.
التطبيع الإداري
وتقول الشبكة الامريكية ان أحد أهم أبعاد القرار يتمثل في “التطبيع الإداري” مع واقع المستوطنات. فحين تقدم جهة رسمية أمريكية خدماتها هناك، فإنها تتعامل مع المكان كجزء طبيعي من نطاق نشاطها، لا كمنطقة نزاع سياسي معلق. هذا لا يعني بالضرورة اعترافًا قانونيًا بضم الضفة أو تغييرًا رسميًا في الموقف من الاستيطان، لكنه يخلق سابقة عملية يمكن البناء عليها لاحقًا.كما أن وصف الخارجية الإسرائيلية للقرار بأنه “تاريخي” يعكس إدراك تل أبيب لأهميته الرمزية. فإسرائيل تسعى منذ سنوات إلى تقليل الفجوة بين وضع المستوطنات داخل الخط الأخضر وخارجه، سواء عبر مشاريع البنية التحتية أو الخدمات أو التمثيل السياسي. وأي خطوة أمريكية تُظهر تعاملًا مباشرًا مع المستوطنات تمنح هذا التوجه دعمًا معنويًا مهمًا.
في المقابل، من المتوقع أن ينظر الفلسطينيون إلى الخطوة باعتبارها تقويضًا إضافيًا لمبدأ عدم الاعتراف بشرعية الاستيطان. فالمخاوف الفلسطينية لا تتعلق فقط بالجانب الخدمي، بل بالرسائل السياسية التي يمكن أن تُستخلص منه. إذ قد يُفهم القرار باعتباره مؤشرًا على تراجع الأولوية الأمريكية لحل الدولتين، أو على الأقل تقليل حساسية التعامل مع قضايا الوضع النهائي.
قانونيًا، تحرص الإدارات الأمريكية عادة على الفصل بين الإجراءات العملية والمواقف السياسية المعلنة. فقد تؤكد واشنطن أن تقديم خدمات قنصلية لمواطنيها لا يحمل أي دلالة على السيادة أو الاعتراف القانوني. إلا أن السياسة الدولية لا تُبنى فقط على النصوص الرسمية، بل على الإشارات والرموز والسوابق. وفي مناطق النزاع، قد تكون الرمزية أقوى من القرارات المكتوبة.
لكن هناك بعد داخلي أيضًا لهذا القرار. فالإدارة الأمريكية قد تسعى لإظهار التزامها بخدمة المواطنين الأمريكيين المقيمين في الخارج دون تمييز جغرافي، خاصة في عام يحمل رمزية وطنية ضمن مبادرة “الحرية 250”. لكن حتى هذا البعد الخدمي لا ينفصل عن السياق السياسي، لأن اختيار مكان تنفيذ الخدمة يخضع لحسابات دقيقة.
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى القرار كاختبار لردود الفعل الدولية. فإذا مرّ دون اعتراضات قوية أو تداعيات دبلوماسية كبيرة، فقد يفتح الباب أمام خطوات مشابهة مستقبلًا، سواء من الولايات المتحدة أو من دول أخرى. أما إذا أثار موجة انتقادات واسعة، فقد تتعامل واشنطن بحذر أكبر في الخطوات اللاحقة.
كذلك لا يمكن تجاهل البعد الأمني. فالضفة الغربية تشهد توترات متكررة، وأي نشاط رسمي أجنبي داخل المستوطنات قد يثير حساسيات إضافية. وبالتالي فإن تنفيذ القرار عمليًا سيتطلب تنسيقًا أمنيًا مشددًا، ما يعكس بدوره اعترافًا ضمنيًا بخصوصية الوضع هناك.