ads
ads

"من خصم 30 دولارًا للبرميل إلى فاتورة 200 مليار دولار".. كيف خسرت الهند شاركتها بدول البريكس لصالح أمريكا؟

اسعار النفط
اسعار النفط

تشير التطورات الأخيرة في ملف الطاقة إلى أن الهند تحاول اتباع سياسة توازن دقيقة بين القوى الكبرى، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية وتزداد المنافسة على مصادر الطاقة. فنيودلهي، التي تعد من أكبر مستوردي النفط في العالم، تسعى للحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لا تريد خسارة شراكتها التقليدية مع روسيا، خاصة في مجالي الطاقة والدفاع، إلى جانب عضويتها في مجموعة بريكس.

النفط الروسي

وخلال السنوات الماضية، استفادت الهند بشكل كبير من شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة بعد العقوبات الغربية على موسكو.

فقد أتاحت هذه الخصومات لنيودلهي تأمين احتياجاتها من الطاقة بتكلفة أقل، وهو ما ساعد في دعم الاقتصاد الهندي سريع النمو.

لكن هذا التوجه وضع الحكومة الهندية تحت ضغوط سياسية متزايدة من جانب واشنطن التي سعت إلى تقليص العائدات النفطية الروسية.

كانت الهند تستورد نحو 1.6 إلى 2 مليون برميل يوميًامن النفط من روسيا بعد عام 2022 بخصومات وصلت إلى 20–30 دولارًا للبرميل، ولكن تقليص هذه الواردات رفع فاتورة الطاقة الهندية بمليارات الدولارات سنويًا.

شكّل النفط الروسي حوالي 35٪ إلى 40٪ من إجمالي واردات النفط الهندية في بعض الفترات، ما يعني أن أي تراجع في هذه الإمدادات اجبر نيودلهي على شراء النفط من أسواق أغلى سعرًا.

خفض الواردات من النفط الروسي

وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة ضغطت على الهند لخفض وارداتها من النفط الروسي والتوجه إلى مصادر بديلة مثل فنزويلا أو غيرها من المنتجين.

واستجابت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي جزئيًا لهذه الضغوط، ما أدى إلى تقليص المشتريات من موسكو خلال بعض الفترات.

نتيجة التحول نحو مصادر بديلة، اضطر الهند لدفع ما بين 10 و15 دولارًا إضافيًا لكل برميل مقارنة بالأسعار المخفضة التي كانت تحصل عليها من روسيا، وهو ما يزيد الضغط على الميزان التجاري الهندي.

وتعتمد الهند على روسيا في نحو 45٪ إلى 60٪ من وارداتها من الأسلحة، وبالتالي فإن تراجع العلاقات مع موسكو قد يجبرها أيضا على شراء معدات عسكرية غربية أغلى تكلفة، في ظل الصراع الإقليمي الجاري.

استثناء مؤقت من امريكا

مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط عالميًا أعادا خلط الأوراق، منحت واشنطن نيودلهي استثناءً مؤقتًا يسمح لها باستئناف شراء النفط الروسي لفترة محددة، في خطوة هدفت إلى تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية وضمان استقرار الإمدادات.

وعندما عادت الهند إلى التفاوض مع موسكو لاستعادة الإمدادات السابقة، جاء الرد الروسي مختلفًا عما كان عليه في السنوات الماضية.

فقد أوضحت موسكو أنها مستعدة لمواصلة بيع النفط للهند، لكن دون الخصومات الكبيرة التي كانت تقدمها سابقًا، وبأسعار أعلى تتماشى مع ظروف السوق الجديدة.

ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا فوق 150 دولارًا للبرميل خلال فترات التوتر في الشرق الأوسط، سترتفع فاتورة استيراد الطاقة في الهند إلى أكثر من 200 مليار دولار سنويًا ما يشكل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد.

وفي موازاة ذلك، بدأت روسيا في إعادة ضبط سياستها النفطية في ظل الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل واحتمال انخراط الولايات المتحدة بشكل أوسع في الصراع.

فالتوترات في الشرق الأوسط تهدد جزءًا كبيرًا من إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع ويمنح موسكو فرصة لتعزيز عائداتها.

وفي هذا السياق، بدأت روسيا تقليص سياسة الخصومات التي كانت تعتمد عليها للحفاظ على حصتها في السوق بعد العقوبات الغربية.

ومع ارتفاع الطلب العالمي على النفط الروسي، أصبح لدى موسكو مجال أكبر لرفع الأسعار تدريجيًا، خاصة بالنسبة للمشترين في آسيا.

كما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع كبار المستوردين في القارة الآسيوية، وعلى رأسهم الهند والصين. فقد أصبحت الأسواق الآسيوية تمثل الوجهة الرئيسية للصادرات النفطية الروسية بعد تراجع الإمدادات المتجهة إلى أوروبا، وهو ما يدفع الكرملين إلى إعادة صياغة شروط البيع بما يحقق عائدات أكبر.

وفي الوقت ذاته، تستفيد روسيا من حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية لتعزيز موقعها كأحد أهم موردي النفط.

فكلما زادت المخاطر المرتبطة بالإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، زادت أهمية النفط الروسي بالنسبة للدول التي تبحث عن مصادر أكثر استقرارًا.

وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مشهد جيوسياسي معقد تتداخل فيه اعتبارات السياسة والاقتصاد والطاقة. فالهند تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الغرب وشراكاتها في البريكس، بينما تسعى روسيا إلى استغلال الأزمات الدولية لإعادة تشكيل سياستها النفطية وتحقيق مكاسب اقتصادية أكبر في سوق الطاقة العالمي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً