ads
ads

"إنكسار الغرور".. كيف استطاعت إيران إجبار "ترامب" طلب العودة للمفاوضات؟

ترامب
ترامب

شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا حادًا في التوترات الإقليمية، بلغ ذروته في سلسلة من المواجهات العسكرية غير المباشرة التي أعادت رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط.

وبينما كانت الولايات المتحدة تسعى لفرض ما يُعرف بسياسة “الضغط الأقصى”، بدا أن الأحداث الميدانية سارت في اتجاه مغاير تمامًا، لتكشف عن حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بواقع جيوسياسي معقد ومتشابك. في هذا السياق، يمكن قراءة التحولات التي دفعت الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترمب، إلى إعادة النظر في خياراتها والعودة إلى طاولة المفاوضات، ليس كخيار استراتيجي مفضل، بل كضرورة فرضتها معطيات الميدان.

منذ البداية، اعتمدت واشنطن على مزيج من العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية بهدف إجبار خصومها على تقديم تنازلات جوهرية. إلا أن هذه المقاربة اصطدمت بردود فعل غير تقليدية، كشفت أن موازين القوى لم تعد أحادية كما كانت تُصوَّر. فبدلاً من تحقيق “حسم سريع”، دخلت المنطقة في مرحلة من “توازن الردع المتبادل”، حيث أصبح كل تصعيد يقابله رد مماثل أو أكثر تأثيرًا، ما أدى إلى رفع كلفة المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

الغاز بالغاز

أولى هذه التحولات تمثلت في ما يمكن وصفه بـ“معادلة الغاز بالغاز”، والتي أعادت تعريف مفهوم استهداف البنية التحتية للطاقة. فحين تم توجيه ضربة لحقل غاز إيراني، جاء الرد سريعًا باستهداف منشأة غازية في قطر، إحدى أبرز حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

هذا التطور لم يكن مجرد رد عسكري، بل حمل في طياته رسالة استراتيجية واضحة أي استهداف لمصادر الطاقة سيقابل بتعطيل مماثل في أماكن أخرى، حتى لو كانت ضمن نطاق الحلفاء.

تداعيات هذه المعادلة كانت عميقة على الاقتصاد العالمي، إذ أدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وانخفاض ملحوظ في الإنتاج، ما انعكس بدوره على الأسعار وسلاسل الإمداد.

وبالنسبة لواشنطن، شكل ذلك تحديًا مزدوجًا، حيث وجدت نفسها أمام معادلة صعبة إما الاستمرار في التصعيد وتحمل تبعات اقتصادية عالمية، أو التراجع وإعادة تقييم الاستراتيجية.

في هذه اللحظة، بدأ يظهر بوضوح أن “الحرب الاقتصادية” قد تنقلب على صانعها.

الردع النووي الغير مباشر

أما المنعطف الثاني، فكان أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وتمثل في انتقال المواجهة إلى ما يشبه “توازن الردع النووي غير المباشر”. فاستهداف منشأة نووية إيرانية، مثل “نطنز”، لم يمر دون رد، بل قوبل بضربة في محيط مفاعل “ديمونة” الإسرائيلي، وهو موقع شديد الحساسية. هذا التطور كسر أحد أهم المحرمات في قواعد الاشتباك، حيث أصبح الأمن النووي، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، جزءًا من معادلة الردع.

الرسالة هنا كانت واضحة: أي محاولة لضرب البنية التحتية الاستراتيجية ستفتح الباب أمام استهداف مماثل، بغض النظر عن الخطوط الحمراء التقليدية. بالنسبة لصناع القرار في واشنطن، كان هذا التحول بمثابة إنذار خطير، إذ يعني أن التصعيد قد يؤدي إلى نتائج غير قابلة للسيطرة، خاصة إذا ما تم المساس بأمن حلفاء رئيسيين مثل إسرائيل. وهنا، بدأ الحديث يتزايد عن ضرورة “ضبط النفس” وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

التفوق العسكري لا يعني تحقيق الأهداف الاستراتيجية

المنعطف الثالث جاء من البحر، حيث سعت الولايات المتحدة إلى فرض سيطرتها عبر استعراض قوتها البحرية. إلا أن الواقع أثبت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية. فرغم العمليات العسكرية، ظل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، تحت تهديد الإغلاق، ما أدى إلى حالة من القلق في الأسواق العالمية. هذا الوضع أظهر أن السيطرة على الأرض أو البحر لا تترجم دائمًا إلى قدرة على تأمين تدفق الموارد الحيوية.

إغلاق أو تهديد مضيق هرمز لم يكن مجرد ورقة ضغط، بل كان سلاحًا استراتيجيًا بحد ذاته، قادرًا على التأثير في الاقتصاد العالمي بأسره. ومع استمرار هذا التهديد، أدركت واشنطن أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى شلل في حركة التجارة العالمية، وهو ما لا يمكن تحمله في ظل هشاشة الاقتصاد الدولي.

التحول المفاجئ في قرارات ترامب للتهدئة

وأدى التحول المفاجئ، والتقدم السريع لمحادثات السلام بحسب ترامب، إلى تغيير جذري في نهج الإدارة الأمريكية تجاه الحرب، وذلك بعد أن هدد، السبت، بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة.

والآن، هناك اقتراحٌ أن تستضيف باكستان اجتماعًا بين الولايات المتحدة وإيران في وقت لاحق من هذا الأسبوع، والذي قد يحضره نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وفقًا لمصدرين.

تحذيرات الخليج لأمريكا

وتواصلت شبكة CNN مع مكتب فانس.

وجاء هذا التغيير في الموقف الأمريكي بعد تحذيرات من حلفاء في الخليج من أن استهداف مواقع الطاقة المدنية في إيران قد يؤدي إلى تصعيد كارثي، بحسب مصادر مطلعة على المحادثات.

وأسفر الإعلان عن المحادثات، قبل ساعتين من افتتاح التداول الأمريكي، الاثنين، عن ارتفاع في بورصة وول ستريت وانخفاض حاد في سعر خام برنت، وهما عاملان كانا يثيران قلق ترامب ومستشاريه.

وأصبح تحديدًا من يجري المحادثات، أو حتى ما إذا كانت تجري أصلًا، موضع خلاف فوري.

ورفض ترامب الكشف عن اسم الوسيط الإيراني الذي كان مبعوثوه يتواصلون معه، ولم يُدلِ بتفاصيل تُذكر سوى وصفه أنه 'شخصية مرموقة'.

وبينما كان الرئيس الأمريكي يُلقي كلمته، كانت وحدات إضافية من مشاة البحرية تتجه نحو الشرق الأوسط، مما زاد من الشكوك حول جدية هذه المحادثات.

ومن جانبها، نفت طهران إجراء أي محادثات، وزعمت أن ترامب تراجع عن تهديده خوفًا من رد إيراني.

وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي ترددت شائعات أنه المسؤول الذي كان ترامب يُشير إليه، على منصة 'إكس': 'لم تُجرَ أي مفاوضات مع الولايات المتحدة'، وقال إن تأجيل الولايات المتحدة لضربات محطات الطاقة كان يهدف إلى 'الخروج من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل'.

ومع ذلك، فقد تمت صياغة النفي بعناية، حيث لم تنفِ تبادل الرسائل لاختبار إمكانية استئناف المحادثات.

وسطاء متعددون بين الولايات المتحدة وإيران

ذكرت 5 مصادر مطلعة لشبكة CNNأن دولًا عديدة تعمل حاليًا بنشاط على التوسط للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تداعيات الحرب التي لا تزال تتردد في أنحاء العالم.

وأكدت المصادر أنها لم تكن على علم بأي مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب، على عكس مزاعم ترامب.

ورفض البيت الأبيض الإدلاء بمزيد من التفاصيل حول هذه المناقشات، التي قال ترامب إن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يقودانها.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، في بيان: 'هذه مباحثات دبلوماسية حساسة، ولن تتفاوض الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام، الوضع متقلب، ولا ينبغي اعتبار التكهنات بشأن الاجتماعات نهائية حتى يتم الإعلان عنها رسميًا من قبل البيت الأبيض'.

وأضافت المصادر المطلعة أن باكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان تشارك في جهود التفاوض.

وتهدف هذه الجهود الدبلوماسية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتأمين ممر آمن للسفن عبر مضيق هرمز.

وأوضح مصدران إقليميان أن الولايات المتحدة قدمت عبر باكستان قائمة من 15 بندًا تتضمن توقعاتها من إيران، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت إيران قد وافقت على أي منها.

وتابع أحد المصدرين أن بعض هذه البنود 'شبه مستحيلة' على إيران قبولها، بينما أشار المصدر الآخر إلى أنها تعكس البنود التي طرحتها الولايات المتحدة على إيران في محادثات العام الماضي.

وأشار ترامب، الاثنين، إلى مقترح من 15 بندًا عندما ادعى أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى 'نقاط اتفاق رئيسية'.

وذكرت مصادر أن الباكستانيين يعملون على مقترح ويبذلون جهودًا للوساطة، وأن العمانيين تبادلوا أيضًا رسائل بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن المصريين يشاركون أيضًا فيما وصفته بـ'جهود دبلوماسية نشطة'.

وطورت باكستان علاقة قوية مع إدارة ترامب خلال العام الماضي، وتواصل منذ فترة طويلة حواراتها مع النظام الإيراني.

وأشار أحد المصادر إلى أن باكستان تشترك في حدود طويلة مع إيران، وتستورد نحو 90% من نفطها عبر مضيق هرمز، لذا فقد أثر الصراع عليها بشكل مباشر.

من الجانب الباكستاني، يُعدّ رئيس الاستخبارات عاصم مالك أحد المسؤولين الذين يتواصلون حاليًا مع ويتكوف وكوشنر، وفقًا لأحد المصادر.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أندرابي، لـCNN، الاثنين: 'إذا وافق الجانأن، فإن باكستان مستعدة دائمًا لاستضافة المحادثات'.

وذكر مصدر آخر بوجود سلسلة من الاتصالات الهاتفية بين وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ونظرائه، بمن فيهم عراقجي ووزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، كما تحدث فيدان مع ويتكوف، الأحد.

ورجّح أحد المصادر الإقليمية أن الإدارة الأمريكية تتواصل مع إيران عبر عدة دول لضمان وصول رسائلها إلى جميع الشخصيات المعنية في طهران.

وأضاف المصدر أن هناك تفاهمًا أن إنهاء الحرب بشكل دائم سيستغرق على الأرجح وقتًا أطول.

وقال مصدر مطلع على المحادثات: 'تجري الجهود الدبلوماسية حاليًا، وهناك مقترحات متعددة قيد الدراسة. طبيعة الدبلوماسية تقتضي أن تكون حوارًا مفتوحًا، ولم تصل أي من المقترحات التي نوقشت إلى مرحلة النضج أو القبول العام'.

وقالت حكومات أخرى إنها على علم بالمحادثات الجارية، وذكر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي تحدث هاتفيًا مع ترامب مساء الأحد، في اليوم التالي: 'كنا، نحن في المملكة المتحدة، على علم بما يجري'.

وذكرت مصادر أن كبار مسؤولي إدارة ترامب، بمن فيهم الرئيس الأمريكي وفانس، عملوا الاثنين على ضمان إطلاع إسرائيل على التطورات.

وتحدث كل من ترامب وفانس مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي بدت أهدافه الحربية متباينة عن أهداف الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة.

انفتاح مفاجئ على الحوار

والاثنين، وبينما كان ترامب يروج للمحادثات المزعومة، فصّل العديد من بنود المقترح المكون من 15 نقطة، والتي بدا الكثير منها مشابهًا للمطالب الأمريكية قبل الحرب.

وقال عن القائمة: 'لن يمتلكوا سلاحًا نوويًا، هذا هو البند الأول، هذا هو البند الأول والثاني والثالث'، وأضاف: 'لن يمتلكوا سلاحًا نوويًا أبدًا'.

كما ذكر أن الولايات المتحدة ستصرّ على استعادة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، الذي يُعتقد أنه مدفون في أعماق موقع أصفهان النووي، والذي دمرته الولايات المتحدة خلال غارة جوية في يونيو/حزيران. وقال ترامب: 'نريد اليورانيوم، وأعتقد أننا سنحصل عليه'.

ومن بين النقاط الأخرى المطروحة على طاولة المفاوضات: فرض قيود على القدرات الدفاعية لطهران، ووقف دعم الوكلاء، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وفقًا لمصدرين إقليميين.

وتمثل تصريحات ترامب، الاثنين، تحولًا في موقفه، إذ كان استبعد لأسابيع فكرة استئناف المحادثات مع طهران، مُشيرًا إلى أن النظام لم يكن جادًا في تقديم التنازلات المطلوبة، وأن قيادته لم تكن متماسكة بما يكفي لتكون شريكًا موثوقًا به في المفاوضات.

وقال الأسبوع الماضي: 'جميع قادتهم ماتوا، على حد علمنا. لكنهم جميعًا ماتوا. لا نعرف مع من نتعامل'.

والجمعة، وبينما ذكر أنه غير مهتم بالتوسط في هدنة، أكد ترامب أنه لا يزال منفتحًا على الحوار، وقال: 'يمكننا إجراء حوار، لكنني لا أرغب في وقف إطلاق النار'.

وبعد ساعة، وبينما كان متوجهًا إلى بالم بيتش على متن طائرة الرئاسة، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يفكر في 'إنهاء' الحرب مع دخولها أسبوعها الرابع.

لكن بحلول مساء اليوم التالي، بات من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز- وهو ممر مائي حيوي لـ 20% من نفط العالم، قد باءت بالفشل، وحدد مهلة 48 ساعة قبل أن يتعهد 'بتدمير' محطات الطاقة الإيرانية.

ووفقًا لرواية ترامب نفسه، بدأت المحادثات مع إيران في نفس الوقت تقريبًا الذي أطلق فيه تهديده مساء السبت.

ولم يُبدِ مسؤولو ادارته الذين ظهروا في برامج حوارية الأحد أي مؤشر يُذكر على وجود محادثات سرية جارية قد تُقنع الرئيس بالتراجع.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على قناة NBC: 'أحيانًا يكون التصعيد ضروريًا'.

ومع ذلك، أثار التهديد الذي يواجه البنية التحتية المدنية الإيرانية قلق المسؤولين في الخليج، الذين سارعوا إلى تحذير الإدارة الأمريكية من أن ذلك سيُعدّ تصعيدًا خطيرًا، وفقًا لمصادر مطلعة على المحادثات.

ويبدو أن إيران أكدت هذه المخاوف، محذرةً من أنها سترد باستهداف مواقع الطاقة وغيرها من البنى التحتية لدى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك محطات تحلية المياه، التي تعتمد عليها دول عديدة في المنطقة لتوفير معظم احتياجاتها من المياه العذبة.

وأعرب بعض شركاء الولايات المتحدة عن رأيهم أن تدمير البنية التحتية للطاقة في إيران قد يُلحق دمارًا هائلًا بالبلاد، ويُعيق جهود إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب.

ولكن وسط تجدد الحديث عن مفاوضات، يبقى من غير الواضح من سيُعطي الموافقة النهائية لإيران على أي اتفاق.

ولا يُعرف الوضع الصحي للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي كما أن قلة خبرته في الدبلوماسية رفيعة المستوى تُثير تساؤلات حول مدى مشاركته. وعراقجي، الذي ذكرت مصادر أنه على تواصل مع العمانيين، لكن ليس من الواضح ما إذا كان هو أيضاً حلقة الوصل بين الجانب الإيراني والرسائل المتبادلة بين الدول الأخرى.

وقال ترامب، الاثنين: 'لم نتلقَّ أي اتصال من خامنئي الابن'، ومع ذلك، بدا متفائلاً أن جهوده قد تُسفر عن حل سريع للحرب، وأضاف لجمهوره في ممفيس: 'يجب أن تفهموا أن حياتي كلها كانت عبارة عن مفاوضات. لكن مع إيران، نتفاوض منذ فترة طويلة. وهذه المرة، هم جادّون'.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
لبنان يأمر السفير الإيراني بمغادرة البلاد