لطالما تم النظر إلى مضيق هرمز باعتباره 'صمام الأمان' لأسواق الطاقة العالمية؛ حيث يمر عبره خُمس إستهلاك النفط العالمي يومياً، إلا أن الأحداث الأخيرة، ورغم دخول وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ، كشفت عن وجه آخر وأكثر خطورة للاعتماد الدولي على هذا الممر المائي. فالأزمة لم تعد تتعلق بأسعار وقود السيارات أو تدفئة المنازل في أوروبا فحسب، بل امتدت لتضرب قلب 'الثورة التكنولوجية'، لقد تحول الهيليوم، ذلك الغاز الذي ارتبط في الأذهان بالاحتفالات، إلى نقطة اختناق استراتيجية تهدد بوقف إنتاج أشباه الموصلات، والأجهزة الطبية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
لماذا الهيليوم؟
قبل الغوص في الأزمة السياسية وفقاً لمجلة فورين بوليسي الأمريكية، يجب فهم لماذا الهيليوم؟، الهيليوم ليس مجرد غاز؛ إنه مادة تمتلك خصائص فيزيائية فريدة لا يمكن لأي عنصر آخر في الجدول الدوري تعويضها، بفضل درجة غليانه التي تقترب من الصفر المطلق، يعد الهيليوم المبرد الوحيد القادر على دعم 'المغناطيسات فائقة التوصيل' المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) ومصادمات الجزيئات.
في قطاع التكنولوجيا، يعد الهيليوم شريكاً خفياً في كل شريحة إلكترونية، تُستخدم ميزاته في تبريد الرقائق أثناء التصنيع، وفي عمليات التنقية الدقيقة لإزالة الشوائب التي قد تدمر أشباه الموصلات، ومع سباق العالم نحو الذكاء الاصطناعي، أصبح الهيليوم مادة حيوية لبناء مراكز البيانات العملاقة، إن أي نقص في هذا الغاز يعني حرفياً تباطؤ وتيرة الابتكار العالمي.
قطر ومضيق هرمز.. قلب المعادلة الصعبة
تتركز إمدادات الهيليوم العالمية في بعض الدول، وتقف دولة قطر في طليعة هذه القائمة، قبل التصعيد الأخير، كانت قطر توفر وحدها نحو ثلث الإمدادات العالمية من الهيليوم، والذي يُستخرج كمنتج ثانوي أثناء معالجة الغاز الطبيعي المسال (LNG).
المشكلة تكمن في أن الهيليوم القطري يسلك نفس المسار الذي يسلكه الغاز والنفط عبر مضيق هرمز، عندما بدأت الرادارات والمنظومات العسكرية في المنطقة بالتصادم، لم تتأثر منصات الإنتاج فقط بالاستهداف المباشر، بل واجهت الشحنات معضلة 'الخروج الآمن'، إغلاق المضيق أو حتى تهديد أمنه لا يعني فقط توقف تدفق الطاقة، بل يعني 'تجفيف' منابع التكنولوجيا في تايوان، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، التي تنتظر شحنات الهيليوم بفارغ الصبر.
لماذا لا يمكن تعويض الهيليوم؟
خلافاً للنفط الذي يمكن تخزينه في صهاريج ضخمة أو نقله عبر خطوط أنابيب بديلة، يعد الهيليوم 'كابوساً'، حيث يُشحن الهيليوم في صورة سائلة داخل حاويات 'كريوجينية' فائقة العزل تحت درجات حرارة منخفضة للغاية، هذه الحاويات لها 'عمر افتراضي' محدود؛ فالهيليوم يتسرب ببطء مهما بلغت دقة العزل، ولا يمكن تركه عالقاً في السفن لأسابيع أمام مضيق مغلق.
هذا 'الاختناق اللوجستي' يجعل تعويض النقص القطري مستحيلاً على المدى القصير، فالمصادر الأخرى مثل أمريكا أو الجزائر لا تمتلك القدرة الفائضة الفورية، كما أن بناء منشآت جديدة لاستخراج الهيليوم يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وسنوات من التشييد، لذا، فإن أي توقف في هرمز يتحول فوراً إلى 'هزة ارتدادية' تضرب المصانع في الطرف الآخر من الكوكب خلال أيام.
التكنولوجيا تدفع الثمن
تأتي هذه الأزمة في أسوأ وقت ممكن لقطاع التكنولوجيا، فالعالم يعاني بالفعل من اضطرابات سلاسل التوريد، والطلب على أشباه الموصلات في ذروته التاريخية بسبب ثورة الذكاء الاصطناعي، إنتاج الرقائق المتقدمة يتطلب بيئة فائقة النقاء وتبريداً لحظياً، وهو ما يوفره الهيليوم.
عندما بدأت أسعار الهيليوم في القفز نتيجة 'خنق هرمز'، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في مراجعة تكاليف إنتاجها، النتيجة الحتمية هي ارتفاع أسعار الإلكترونيات الاستهلاكية، وتأخر تسليم الخوادم العملاقة، وتعطل مشاريع بحثية كبرى تعتمد على المغناطيسات فائقة التوصيل. لقد كشفت الأزمة أن 'السيادة التكنولوجية' للدول الكبرى مرتبطة بشكل وثيق باستقرار ممر مائي في الشرق الأوسط.
من صدمة النفط إلى صدمة المواد الحرجة
تكشف أزمة الهيليوم عن تحول عميق في هيكل الاقتصاد العالمي، ففي السبعينيات، كان العالم يرتعب من فكرة انقطاع النفط، اليوم، أصبح العالم يعتمد على مجموعة ضيقة جداً من 'المواد الاستراتيجية' (مثل الهيليوم، الليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة).
مضيق هرمز لم يعد 'أنبوب نفط' بل أصبح 'كابل بيانات' مادي، إذا توقف تدفق الهيليوم، تتوقف المستشفيات عن إجراء فحوصات الرنين المغناطيسي، وتتوقف مصانع سامسونج وTSMC عن العمل، وتدخل ناسا في حالة شلل، هذا النوع من 'الارتهان التكنولوجي' هو ما يجعل أي توتر بين واشنطن وطهران في هرمز أزمة كونية لا تنتهي بقرار وقف إطلاق نار عسكري.