من قلب العاصمة البريطانية لندن ومن على شاشة CNN العالمية، رسم وزير الخارجية والتعاون الدولي الدكتور بدر عبد العاطي، خارطة طريق الدبلوماسية المصرية لمواجهة حرائق الشرق الأوسط. الحوار الذي أدارته الإعلامية المخضرمة كريستيان أمانبور، لم يكتفِ بتشريح تعقيدات المشهد بين واشنطن وطهران عقب تجميد ترامب لضربته العسكرية، بل غاص في عمق الاستراتيجية المصرية المتمسكة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، كاشفاً في الوقت ذاته عن أوراق قوة الاقتصاد المصري وقدرته الفريدة على الصمود أمام تآكل عوائد قناة السويس.
وساطة "فوق الصفيح الساخن" بين واشنطن وطهران
كريستيان أمانبور: معالي الوزير، دعنا نبدأ من التطورات المتسارعة التي تشغل العالم الآن. الساعات الماضية كانت مثيرة؛ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن في اللحظات الأخيرة تجميد ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران استجابة لطلب حلفاء خليجيين، وفي نفس الوقت يواصل وزير داخلية باكستان نقاشاته في طهران كوسيط، أين تقف مصر من هذا المسار الحرج؟ وما هي محددات دوركم الداعم للمفاوضات بين واشنطن وطهران؟
الدكتور بدر عبد العاطي: الموقف المصري ينطلق من محددات واضحة وصارمة، أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً وتكراراً، فالمنطقة لا تتحمل حرباً إقليمية شاملة، ولن يخرج أي طرف رابحاً من صدام عسكري مفتوح بين القوى الكبرى والإقليمية. مصر تدعم بكل قوة مسار المفاوضات والدبلوماسية كبديل وحيد 'لغة القنابل'، دورنا يتمثل في كوننا ركيزة استقرار؛ نحن على تواصل يومي ومباشر مع كافة الأطراف المعنية، سواء مع الإدارة الأمريكية أو الجانب الإيراني، وكذلك مع الأشقاء في الخليج والوسيط الباكستاني.
نحن نرى أن أي اختراق دبلوماسي حقيقي يتطلب من الطرفين بناء الثقة والابتعاد عن 'المطالب المفرطة' والتناقض في المواقف، مصر تسعى جاهدة لتهيئة الأجواء السياسية وتفكيك نقاط الخلاف الجوهرية (سواء ما يتعلق بالملف النووي أو أمن الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب) لأن تضرر هذه الممرات ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية، وعلى مصالح مصر الحيوية.
غزة والتمسك باستحقاقات المرحلة الثانية
كريستيان أمانبور: بالحديث عن استقرار المنطقة، نعلم جميعاً أن جذور هذا التصعيد تمتد مباشرة إلى قطاع غزة، مصر شريك رئيسي ومحوري في المفاوضات الشاقة لوقف إطلاق النار، لقد صرحت اليوم بأهمية المضي قدماً نحو 'المرحلة الثانية' من خطة الرئيس الأمريكي؛ لكن على الأرض، يرى الكثيرون أن المسار يبدو معطلاً، هل هناك فرصة حقيقية الآن؟
دكتور بدر عبد العاطي: لا يمكن لأي متابع للشأن الشرق أوسطي أن يتوقع استقراراً أو سلاماً دائماً دون حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، ووقف العدوان المستمر على قطاع غزة، نعم، نحن في مصر نصر على ضرورة الانتقال الفوري والتنفيذ الأمين لاستحقاقات 'المرحلة الثانية' من الرؤية والخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي.
هذه المرحلة ليست رفاهية، بل هي جوهر الحل، لأنها تتضمن الوقف الدائم والكامل للأعمال العدائية، والانسحاب الإسرائيلي الشامل من كامل أراضي القطاع، والبدء الفعلي في عملية تبادل كبرى وشاملة للأسرى والمحتجزين، توازيًا مع ذلك، نضغط بكل قوتنا لضمان التدفق الكامل وغير المشروط للمساعدات الإنسانية والطبية عبر كافة المنافذ، لإنهاء الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الأشقاء في غزة. مصر لن تتوقف عن دورها القومي والإنساني بالتعاون مع الشركاء في قطر والولايات المتحدة لإنجاز هذا الاتفاق.
الاقتصاد المصري.. صلابة واستمرارية رغم حرائق الحدود
كريستيان أمانبور: معالي الوزير، دعنا ننتقل إلى الملف الداخلي المصري. مصر تعيش وسط حزام من الحرائق والأزمات الجيوسياسية المتفجرة من كافة الاتجاهات؛ غزة في الشمال، واضطرابات القرن الإفريقي، إلى جانب التراجع الضخم في عوائد قناة السويس بسبب التوترات البحرية في البحر الأحمر، كيف يتعامل الاقتصاد المصري مع هذه الضغوط العنيفة؟ هل برنامج الإصلاح الاقتصادي ما زال قادراً على الصمود، أم أن الكلفة باتت تفوق الاحتمال؟دكتور بدر عبد العاطي: هذا سؤال محوري وكثيراً ما يُطرح. سأكون صريحاً معكِ؛ التحديات الإقليمية المحيطة بحدودنا غير مسبوقة وتلقي بظلال ثقيلة على مواردنا، خاصة ما يتعلق بتأثر حركة الملاحة في قناة السويس، ولكن الإجابة القاطعة هي أن الاقتصاد المصري أثبت قدرة مذهلة على الصمود والمرونة (Resilience) في مواجهة هذه الصدمات الخارجية المتلاحقة.
الدولة المصرية لم تتخذ من الأزمات الإقليمية مبرراً للتراجع، بل استمرت بكل حزم في تنفيذ برنامجها الوطني الشامل للإصلاح الاقتصادي والمالي. نحن نعمل حالياً برؤية واضحة تركز على تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، وتذليل العقبات أمام القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي للتنمية. جهودنا منصبة على توطين الصناعة، والنهوض بالقطاع الزراعي، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي وعالمي للطاقة المتجددة والنظيفة وتصدير الهيدروجين الأخضر. الأسس الهيكلية للاقتصاد المصري أصبحت اليوم أكثر قوة تماسكاً بفضل هذه الإصلاحات، وشراكاتنا الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية تمنحنا أرضية صلبة لتجاوز هذه المرحلة الاستثنائية بكل ثقة.