لم تعد المنافسة بين أصحاب المشروعات الصغيرة مقتصرة على جودة المنتجات والأسعار والخدمات المقدمة للعملاء، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت التقييمات والتعليقات ومقاطع الفيديو قادرة على التأثير في سمعة أي مشروع خلال ساعات قليلة، وسط مخاوف متزايدة من استغلال بعض صناع المحتوى لهذه القوة الرقمية للضغط على أصحاب المطاعم والمتاجر والمشروعات الناشئة، مقابل الحصول على أموال أو منتجات مجانية أو خدمات دون مقابل.
وتبدأ الأزمة أحيانًا برسالة من شخص يقدم نفسه باعتباره «بلوجر» أو مؤثرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويعرض الترويج لمشروع صغير مقابل مبلغ مالي أو استضافة مجانية، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول العرض إلى ضغط أو تهديد بنشر تقييمات سلبية وتشويه سمعة النشاط التجاري حال رفض صاحب المشروع التعاون معه.
وبين التقييمات الوهمية وحملات التشهير والتهديد بخسارة العملاء، يجد بعض أصحاب المشروعات أنفسهم أمام معادلة صعبة، فإما الاستجابة لمطالب غير مشروعة، أو مواجهة محتوى سلبي قد ينتشر بسرعة، حتى لو لم يستند إلى تجربة حقيقية أو وقائع موثقة.
وتثير هذه الممارسات تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين حق المستهلك في تقييم الخدمات والمنتجات، وحق أصحاب المشروعات في حماية سمعتهم من الادعاءات الكاذبة والابتزاز الإلكتروني، فضلًا عن المسؤولية القانونية لمن يستغلون شهرتهم الرقمية لتحقيق مكاسب على حساب الآخرين.
كيف تتحول التقييمات الإلكترونية إلى وسيلة للابتزاز؟
تعتمد المشروعات الصغيرة بصورة متزايدة على منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى العملاء، خاصة المطاعم ومحال الملابس ومستحضرات التجميل والمشروعات المنزلية التي لا تمتلك ميزانيات إعلانية كبيرة.
وفي ظل هذا الاعتماد، قد يتحول التقييم الإلكتروني إلى أداة ضغط عندما يستخدمه شخص للتهديد بنشر معلومات مضللة أو اتهامات غير صحيحة، بهدف الحصول على مقابل مالي أو منفعة شخصية.
وتتنوع الأساليب المحتملة بين المطالبة بإعلانات مدفوعة مقابل عدم نشر محتوى سلبي، أو طلب منتجات وخدمات مجانية، أو استخدام حسابات متعددة لكتابة تقييمات منخفضة دون تجربة حقيقية، بما يخلق انطباعًا مضللًا لدى العملاء.
ولا يعني ذلك أن كل تقييم سلبي يمثل ابتزازًا، إذ يظل من حق المستهلك التعبير عن تجربته وانتقاد مستوى الخدمة، بينما تكمن المخالفة في التهديد أو اختلاق الوقائع أو استخدام التشهير للحصول على منفعة غير مشروعة.
واقعة حديثة.. مصممة أزياء تتهم بلوجر بالابتزاز والتشهير
شهد سبتمبر 2026 واقعة مرتبطة بهذه الظاهرة، بعدما تقدمت مصممة الأزياء جهاد أحمد، صاحبة نشاط لبيع المنتجات عبر الإنترنت، ببلاغ ضد بلوجر وصانعة محتوى، اتهمتهما فيه بالتشهير بمنتجاتها والإضرار بسمعة نشاطها التجاري والابتزاز المالي.
وبحسب التفاصيل الواردة في البلاغ، اتهمت الشاكية المشكو في حقهما بنشر محتوى يحذر الجمهور من التعامل معها، عبر صفحة يتجاوز عدد متابعيها مليون شخص.
كما تضمن البلاغ اتهامًا بإرسال رسائل تهديد للمطالبة بتحويل مبلغ 18 ألف جنيه خلال ثلاثة أيام، مع الادعاء بتعرض صاحبة المشروع لأضرار مادية كبيرة نتيجة المنشورات المتداولة.
وتظل هذه التفاصيل اتهامات وردت في بلاغ، وليست وقائع ثبتت بحكم قضائي، ولم يتوافر ضمن المعلومات التي جرى التحقق منها حكم نهائي بشأنها.
وتوضح الواقعة كيف يمكن أن ينتقل الخلاف بين أصحاب الأنشطة التجارية ومستخدمي المنصات الرقمية إلى اتهامات بالابتزاز والتشهير، خصوصًا عندما يرتبط النشر بمطالب مالية.
70 ألف جنيه مقابل إعلان.. أزمة صاحب مشروع مطعم صغير
وفي واقعة أخرى أُثيرت خلال عام 2025، نشر صاحب مشروع صغير لبيع البرجر مقطع فيديو تحدث فيه عن تجربته مع أحد صناع المحتوى، بعدما طلب الأخير، بحسب روايته، مبلغ 70 ألف جنيه مقابل تقديم إعلان ترويجي للمطعم.
وأوضح صاحب المشروع أنه رفض العرض بسبب ارتفاع المقابل المالي، مشيرًا إلى أنه فضل الاعتماد على وسائل أخرى للتسويق والوصول إلى العملاء.
وأثارت الواقعة نقاشًا بشأن التكلفة المرتفعة لإعلانات المؤثرين ومدى ملاءمتها للمشروعات الناشئة، خاصة تلك التي تعتمد على رؤوس أموال محدودة.
ولا تمثل المطالبة بمبلغ كبير مقابل إعلان ابتزازًا في حد ذاتها، طالما لم تقترن بتهديد أو إكراه، لكنها تكشف جانبًا من التحديات التي تواجه أصحاب المشروعات الصغيرة في سوق التسويق الرقمي.
بلاغ ضد صناع محتوى بسبب اتهامات بالابتزاز
وفي واقعة سابقة، تقدم أحد المحامين ببلاغ إلى النائب العام حمل رقم 1077271، اتهم فيه بعض صناع محتوى تقييم المطاعم باستغلال شهرتهم في تقديم تقييمات غير محايدة، والضغط على أصحاب الأنشطة التجارية لتحقيق مكاسب مالية.
وطالب مقدم البلاغ بفحص الأنشطة محل الشكوى، والتحقق من طبيعة الأموال المتحصلة ومدى الالتزام بالقوانين المنظمة.
ولا يثبت تقديم البلاغ صحة الاتهامات، كما لا يعني أن الممارسات المنسوبة إلى بعض صناع المحتوى تنطبق على جميع العاملين في مجال تقييم المطاعم والمنتجات.
لماذا تعد المشروعات الصغيرة الأكثر عرضة لضغوط التقييمات الوهمية؟
تواجه المشروعات الناشئة تحديات خاصة في حماية سمعتها الرقمية، نتيجة اعتماد كثير منها على عدد محدود من العملاء والتقييمات، فضلًا عن عدم امتلاك فرق متخصصة في العلاقات العامة أو إدارة الأزمات.
وقد يكون لتقييم سلبي مضلل تأثير أكبر على مشروع حديث لا يملك سوى عدد قليل من المراجعات، مقارنة بمؤسسة كبيرة لديها قاعدة واسعة من العملاء وسجل طويل من التقييمات.
وتزداد خطورة الموقف عندما تنتشر اتهامات غير موثقة عبر مقاطع فيديو قصيرة أو منشورات يجري تداولها على نطاق واسع، بما قد يدفع بعض العملاء إلى اتخاذ قراراتهم قبل التحقق من صحة المعلومات.
وفي المقابل، فإن حماية أصحاب المشروعات لا تعني منع النقد المشروع أو إخفاء الشكاوى الحقيقية المتعلقة بجودة المنتجات وسلامة المستهلكين، بل تتطلب التمييز بين التجربة الفعلية والمحتوى المضلل أو التهديد.
ماذا يقول القانون المصري عن الابتزاز والتشهير الإلكتروني؟
يوفر القانون المصري عددًا من الأدوات القانونية للتعامل مع الجرائم التي تُرتكب باستخدام وسائل تقنية المعلومات، ومن بينها بعض صور الاعتداء على الخصوصية وإساءة استخدام الحسابات الإلكترونية.
وينص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، في المادة 25، على عقوبات لبعض الأفعال المرتبطة بانتهاك حرمة الحياة الخاصة ونشر معلومات أو صور تنتهك خصوصية الأشخاص دون رضاهم، وفق الشروط التي حددها القانون.
كما تتناول المادة 26 تعمد استخدام تقنية معلوماتية لمعالجة بيانات شخصية للغير وربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو إظهارها بطريقة تمس اعتباره أو شرفه.
وتنص المادة 27 على عقوبات لإنشاء أو إدارة أو استخدام حساب أو موقع إلكتروني بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا أو تسهيل ارتكابها.
وقد تنطبق أحكام أخرى من قانون العقوبات على بعض وقائع التهديد أو طلب الأموال بالإكراه، بحسب طبيعة الواقعة والأدلة المتاحة، ويظل التكييف القانوني النهائي من اختصاص جهات التحقيق والقضاء.
ومن المهم التأكيد أن نشر تقييم سلبي، حتى لو أضر بمبيعات مشروع تجاري، لا يمثل وحده دليلًا على وقوع جريمة، ما لم تتوافر العناصر القانونية اللازمة للمساءلة.
كيف يحمي أصحاب المشروعات أنفسهم من الابتزاز الرقمي؟
تبدأ حماية المشروعات الصغيرة بتوثيق أي رسائل تتضمن تهديدًا أو مطالب مالية مرتبطة بالنشر أو حذف المحتوى، والاحتفاظ بالمحادثات والروابط والمستندات التي يمكن الاستناد إليها عند تقديم شكوى.
كما يُفضل التعامل مع صناع المحتوى من خلال اتفاقات واضحة تحدد طبيعة الخدمة الإعلانية والمقابل المالي، مع الإفصاح عن المحتوى المدفوع حتى يتمكن الجمهور من التمييز بين الإعلان والتقييم المستقل.
وعند التعرض لتقييمات يشتبه في كونها وهمية، يمكن لصاحب المشروع الإبلاغ عنها عبر المنصة المستخدمة، وتقديم رد مهني يوضح الوقائع دون نشر بيانات شخصية أو الدخول في اتهامات متبادلة.
أما في حالات التهديد أو المطالبة بأموال مقابل الامتناع عن التشهير، فيمكن اللجوء إلى الجهات الأمنية المختصة وتقديم الأدلة المتاحة، بدلًا من الاستجابة للمطالب أو الدخول في مساومات قد تؤدي إلى تكرار الواقعة.
هل تحتاج التقييمات الإلكترونية إلى ضوابط أكثر وضوحًا؟
تطرح هذه الوقائع تساؤلات بشأن الحاجة إلى تعزيز الشفافية في سوق الإعلانات الرقمية، وتوضيح العلاقة بين صناع المحتوى وأصحاب الأنشطة التجارية، خاصة عندما يقدم المؤثر محتوى يبدو للمشاهدين وكأنه تقييم مستقل، بينما يكون في الحقيقة إعلانًا مدفوعًا.
كما تبرز أهمية وجود آليات فعالة لدى المنصات الرقمية لاكتشاف المراجعات المصطنعة والحسابات المستخدمة في حملات التقييم المنسقة، مع الحفاظ على حق المستهلك في نشر تجاربه الحقيقية.
ويظل التحدي الأساسي في تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحماية المستهلك من جهة، وحماية أصحاب المشروعات من التهديد والتشهير والمعلومات المضللة من جهة أخرى.
وفي النهاية، لا تكمن خطورة ظاهرة التقييمات الوهمية في تعليق سلبي أو مقطع فيديو منفرد، وإنما في إمكانية تحويل الثقة التي يمنحها الجمهور لصناع المحتوى إلى وسيلة ضغط على مشروعات صغيرة قد تكون سمعتها الرقمية أحد أهم أصولها الاقتصادية، وهو ما يجعل الشفافية والتوثيق وتطبيق القانون عناصر أساسية لحماية السوق والمستهلك معًا.