في خطوة جديدة ضمن مسار التعاون الاقتصادي مع المؤسسات الدولية، وقعت مصر اتفاق تمويل بقيمة مليار دولار مع البنك الدولي، لدعم المرحلة الثانية من برنامج تمويل سياسات التنمية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، وتحسين مناخ الاستثمار، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
لكن الاتفاق لا يتعلق بالحصول على تمويل مالي فقط، إذ يرتبط بحزمة من الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية التي تستهدف تغيير عدد من السياسات الاقتصادية، بداية من إعادة تنظيم دور الدولة في الاقتصاد، مرورًا بإدارة الدين والإيرادات العامة، وصولًا إلى الحماية الاجتماعية والتحول الأخضر.
ويأتي الاتفاق، الذي جرى توقيعه الأحد 1 نوفمبر 2026، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ووقعه الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، والوليد العطاباني، المسؤول بالبنك الدولي، ضمن برنامج «تعزيز القدرة على الصمود وخلق الفرص وتعزيز الرخاء من أجل استقرار مصر وازدهارها».
تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام القطاع الخاص
يأتي إصلاح دور الدولة في النشاط الاقتصادي على رأس الالتزامات المرتبطة بالتمويل، إذ تستهدف الحزمة تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة، وإزالة العقبات أمام الاستثمارات الخاصة، وتعزيز قواعد المنافسة العادلة بين الشركات، بما يتيح للقطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة في النشاط الإنتاجي والاستثماري.
ويرتبط هذا التوجه بتنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج الطروحات الحكومية، اللذين يستهدفان إعادة تحديد دور الدولة في الاقتصاد، وزيادة مساهمة الاستثمارات الخاصة في تحقيق النمو وخلق فرص العمل.
ولا يقتصر الأمر على طرح حصص من الشركات المملوكة للدولة، بل يمتد إلى تحسين بيئة الأعمال وتوفير قواعد أكثر وضوحًا وتكافؤًا أمام المستثمرين.
زيادة الإيرادات وتقليل تكلفة الاقتراض الحكومي
يمتد برنامج الإصلاح إلى إدارة المالية العامة، من خلال تعزيز قدرة الدولة على تعبئة الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة أسواق الدين المحلي، والعمل على خفض تكلفة الاقتراض الحكومي.
وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة نتيجة ارتفاع أعباء خدمة الدين، إذ تستهدف تحسين إدارة الموارد المالية وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل مرتفعة التكلفة، بما يدعم الاستدامة المالية على المدى الطويل.
الحماية الاجتماعية ضمن شروط الإصلاح
على الرغم من تركيز البرنامج على الإصلاحات الاقتصادية والمالية، فإنه يتضمن إجراءات مرتبطة بالحماية الاجتماعية، تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم النقدي، وعلى رأسها تكافل وكرامة.
كما تشمل الإجراءات ربط المستفيدين من البرنامج بمنظومة التأمين الصحي الشامل بصورة تلقائية، بما يسهل حصول الأسر الأكثر احتياجًا على الخدمات الصحية الأساسية، ويساعدها على مواجهة الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار.
ويعكس ذلك توجهًا لربط الإصلاح الاقتصادي بتوسيع مظلة الخدمات الاجتماعية، وعدم الاقتصار على الإجراءات المالية والاستثمارية.
الكهرباء والمياه.. إصلاحات مرتبطة بالاقتصاد الأخضر
يتضمن الاتفاق محورًا بيئيًا يستهدف دعم التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة، من خلال تحسين آليات رصد انبعاثات الغازات الدفيئة، وتطوير أسواق أرصدة الكربون، وتشجيع الاستثمار في الطاقة النظيفة.
كما تشمل الإصلاحات تعزيز الاستدامة المالية لقطاعي الكهرباء والمياه، بما يساعد على تحسين كفاءة إدارة الموارد، ومواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، ودعم التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة.
هل المليار دولار منحة أم قرض؟
التمويل البالغ مليار دولار ليس منحة، وإنما تمويل تنموي ميسر ضمن برنامج تمويل سياسات التنمية، الذي يتكون من ثلاث عمليات تمويل متتابعة، ويقدم البنك الدولي تمويلاته بشروط أكثر تيسيرًا من شروط الاقتراض التجاري.
وكان مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي قد وافق على التمويل في 8 مايو 2026، متضمنًا ضمانًا ائتمانيًا بقيمة 200 مليون دولار من المملكة المتحدة، لدعم ترتيبات التمويل.
وبالتالي، فإن الاتفاق لا يمثل تمويلًا لمشروع خدمي أو إنشائي محدد، وإنما يوفر دعمًا ماليًا للموازنة العامة بالتوازي مع تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بالتنفيذ
تكشف تفاصيل الاتفاق أن التمويل يرتبط بتوجه أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، من خلال زيادة دور القطاع الخاص، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتطوير الخدمات الأساسية، ودعم التحول الأخضر.
لكن نجاح هذه الإصلاحات لن يقاس فقط بحجم التمويلات التي تحصل عليها الدولة، وإنما بقدرتها على جذب استثمارات جديدة، وخلق فرص عمل مستدامة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتخفيف الضغوط المعيشية عن المواطنين.
ويظل التحدي الأبرز هو تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي والاقتصادي، والحفاظ على الحماية الاجتماعية، حتى تنعكس نتائج هذه السياسات على حياة المواطنين ومستويات معيشتهم.