لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات أو تسريع العمليات الحسابية، بل بدأ يتحول إلى شريك أساسي في إدارة حقول النفط والغاز، من تحديد أماكن الاحتياطيات الواعدة إلى تحسين عمليات الحفر والإنتاج، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وتقليل تكلفة استخراج البرميل.
ومع إعلان شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» شراكة متعددة السنوات مع OpenAI ومجموعة التكنولوجيا الإماراتية «جي42»، خلال معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول «أديبك» في 2 نوفمبر 2026، تتجه الأنظار إلى مستقبل صناعة الطاقة في المنطقة، ومدى قدرة مصر على الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتراجع إنتاج بعض الحقول وارتفاع احتياجات السوق المحلية من الطاقة.
ولا تبدو مصر بعيدة تمامًا عن هذا التحول؛ إذ بدأت وزارة البترول بالفعل خطوات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، وعقدت شراكات مع شركات تكنولوجية عالمية، لكن الفارق يظل في مدى الانتقال من التجارب والتطبيقات المحدودة إلى منظومة متكاملة تغطي مختلف مراحل الصناعة.
ماذا فعلت أدنوك في أديبك؟
تتمثل أهمية اتفاق أدنوك وOpenAI في الانتقال بالذكاء الاصطناعي من استخدامات منفصلة إلى نظام متكامل يربط القرارات الفنية والتشغيلية والتجارية داخل الشركة.
وتستهدف الشراكة استخدام منصة OpenAI Frontier لربط البيانات المتراكمة على مدار عقود، بما يشمل آلاف الآبار وعددًا من المكامن النفطية ومئات المنشآت السطحية، لإعداد خطط متكاملة لتطوير الحقول خلال ساعات بدلًا من شهور.
كما تشمل استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لتحليل العرض والطلب وأسعار النفط وهوامش الربح، وربط قرارات الإنتاج والمعالجة والتكرير والنقل والتسويق، بما يساعد على تحديد القيمة الاقتصادية لكل برميل قبل استخراجه.
وتستند هذه التطبيقات إلى منصة ENERGYai المتخصصة في تحليل المكامن والبيانات الجيولوجية، إلى جانب أكثر من 200 تطبيق للذكاء الاصطناعي تستخدمها أدنوك أو تعمل على تطويرها، مع احتفاظ الخبراء البشريين بالإشراف على القرارات المؤثرة.
مصر بدأت التحرك.. شراكة مع شركة تابعة لأدنوك
في المقابل، بدأت مصر خطوات عملية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع البترول، من خلال التعاون مع شركة AIQ الإماراتية، التابعة لمجموعة أدنوك، والتي تمتلك حلولًا متخصصة في تحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية وإدارة عمليات الحفر والإنتاج.
وفي يوليو 2026، بحث المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، مع دينيس جول، الرئيس التنفيذي للشركة، فرص التعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بقطاعي البترول والغاز.
وشملت المباحثات مقترح إنشاء كيان مشترك تحت اسم «AIQ Egypt»، ليكون منصة متخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع البترول المصري، من خلال دمج البيانات المتاحة عبر بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج «EUG» مع الخبرات الوطنية والتكنولوجيات المتقدمة للشركة الإماراتية.
ومن بين التطبيقات التي عرضتها AIQ نظام قادر على التنبؤ بأعطال مضخات الرفع الاصطناعي قبل حدوثها بنحو 45 يومًا، بما يسمح بإجراء الصيانة الاستباقية وتقليل فترات توقف الإنتاج والخسائر التشغيلية.
كما تناولت المباحثات استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، لتحسين تصميم الآبار وتنفيذ العمليات وزيادة إنتاجية الحقول.
بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج.. البنية الرقمية للثورة الجديدة
تمثل بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج «EUG» إحدى الركائز التي يمكن أن تعتمد عليها الدولة لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع البترول، إذ أُطلقت خلال مؤتمر مصر الدولي للبترول «إيجبس 2020»، بالشراكة بين الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة SLB، وبدأ تشغيلها في 2021.
وتعمل البوابة باعتبارها مركزًا رقميًا موحدًا لبيانات الاستكشاف والإنتاج، وتتيح للمستثمرين الوصول إلى البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وتستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتصور الرقمي لدعم تقييم الفرص الاستثمارية وتقليل مخاطر الاستكشاف.
وفي يوليو 2026، بحث وزير البترول مع مسؤولي SLB تطوير البوابة ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات المتقدمة بها، بما يساعد الشركات على تحديد المناطق الأكثر احتمالية لوجود احتياطيات بترولية، ومتابعة أداء الحقول والتنبؤ بالمشكلات التشغيلية قبل وقوعها.
كما تناولت المباحثات إنشاء نظام رقمي متكامل يربط البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية وبيانات الإنتاج بمراكز التحكم، بما يدعم اتخاذ القرارات بصورة أسرع وأكثر دقة.
تجربة مصرية أعادت اكتشاف الحقول المتقادمة
لم تقتصر التجارب المصرية على الخطط والشراكات، بل ظهرت نتائج عملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركة العامة للبترول، التي استعانت بهذه التقنيات لإعادة استكشاف الحقول القديمة في الصحراء الغربية، والتي تراجع إنتاجها بفعل الاستنزاف الطبيعي على مدار سنوات.
ووفقًا لبيانات وزارة البترول في أغسطس 2025، أسهمت النماذج التي طورتها الكوادر الفنية بالشركة في تحقيق كشفين مهمين هما GPS وGPR، بإجمالي إنتاج بلغ نحو 2700 برميل يوميًا، وإضافة مخزون يقدر بنحو 62.4 مليون برميل زيت مكافئ في منطقة متقادمة توقف الإنتاج بها لسنوات طويلة.
واعتمدت التجربة على تحليل البيانات الجيولوجية وخصائص المكامن النفطية، لتحديد تجمعات جديدة للزيت والغاز لم تكن واضحة باستخدام أساليب الاستكشاف التقليدية.
كما سجلت الشركة نتائج إيجابية في استخدام تقنيات التثقيب الحديثة، التي رفعت إنتاجية الآبار إلى ثلاثة أمثال الطرق التقليدية، وهو ما يعكس أهمية الجمع بين الخبرة الفنية والتكنولوجيا في استغلال الموارد المتاحة.
ما الذي تحتاجه مصر للحاق بالتجربة الإماراتية؟
رغم الخطوات التي بدأها قطاع البترول المصري، فإن الانتقال إلى نموذج متكامل على غرار تجربة أدنوك يتطلب العمل على عدة محاور، أبرزها:
أولًا: توحيد قواعد البيانات: تحتاج شركات البترول إلى ربط بيانات الآبار والمكامن والإنتاج والمعدات في منظومة رقمية متكاملة، تسمح بتحليل المعلومات بصورة لحظية بدلًا من الاعتماد على قواعد بيانات متفرقة.
ثانيًا: التوسع في الشراكات التكنولوجية: التعاون مع شركات متخصصة مثل AIQ وSLB يمكن أن يسرع نقل الخبرات وتطوير حلول تناسب طبيعة الحقول المصرية، مع بناء قدرات محلية قادرة على إدارة هذه التطبيقات وتطويرها.
ثالثًا: تطوير الكوادر البشرية: يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي تدريب المهندسين والفنيين على تحليل البيانات والنماذج التنبؤية، حتى تصبح التكنولوجيا جزءًا من عملية اتخاذ القرار وليست مجرد أدوات مساعدة.
رابعًا: تمويل التحول الرقمي: تحتاج المنظومة إلى استثمارات في البنية التحتية الرقمية، وأجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة ومراكز التحكم، إلى جانب تأمين البيانات وحماية المنشآت الحيوية من المخاطر السيبرانية.
خامسًا: قياس العائد الاقتصادي: يجب تقييم التطبيقات وفق قدرتها على زيادة الإنتاج، وخفض تكلفة استخراج البرميل، وتقليل فترات توقف المعدات، وليس الاكتفاء بعدد المشروعات أو الاتفاقيات المعلنة.
هل يصبح الذكاء الاصطناعي ورقة مصر لزيادة الإنتاج؟
تأتي هذه التحركات في وقت تستهدف فيه وزارة البترول زيادة إنتاج الزيت والغاز من خلال خطة خمسية تعتمد على تكثيف أنشطة البحث والاستكشاف، والتوسع في التكنولوجيا الحديثة بالتعاون مع الشركاء الأجانب.
كما طرحت مصر خلال أغسطس 2026 مزايدة عالمية جديدة للتنقيب عن البترول والغاز في 14 منطقة، عبر بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج، في محاولة لجذب استثمارات جديدة والاستفادة من البيانات الجيولوجية المتاحة.
وتكشف المقارنة بين التجربة الإماراتية والمصرية أن الفارق لا يتعلق ببدء استخدام الذكاء الاصطناعي، فمصر لديها بالفعل تطبيقات وتجارب ونتائج في هذا المجال، وإنما بمدى دمج هذه التكنولوجيا في جميع مراحل الصناعة.
فبينما تتجه أدنوك إلى ربط قرارات الإنتاج والتكرير والتسويق والاستثمار داخل منظومة واحدة، لا يزال التحدي أمام مصر يتمثل في تعميم التجارب الناجحة، وتطوير البنية الرقمية، وتحويل الشراكات المعلنة إلى تطبيقات واسعة النطاق.
وفي ظل تراجع إنتاج بعض الحقول وارتفاع أهمية تعظيم الاستفادة من الاحتياطيات القائمة، قد يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لمصر لاكتشاف موارد جديدة داخل الحقول القديمة، وتقليل تكاليف التشغيل، ورفع كفاءة الإنتاج، لكن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات مستمرة وقياسًا واضحًا للعائد الاقتصادي.