لم تعد انتخابات أمريكا مجرد سباق على مقاعد الكونجرس، بل تحولت إلى معركة استباقية داخل واشنطن، بعدما بدأت إدارة الرئيس دونالد ترامب تجهيز ترسانة قانونية وسياسية لمواجهة احتمال انتقال السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين. وبينما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، يعمل فريق البيت الأبيض على إعداد خطط تسمح للرئيس بمواصلة تنفيذ أجندته حتى في حال تحول الكونغرس إلى خصم سياسي يعرقل مشروعاته ويفتح ملفات إدارته للتحقيق.
وتكشف تحركات الإدارة أن السيناريو الذي يقلق ترامب لا يقتصر على خسارة الأغلبية الجمهورية، بل يمتد إلى احتمال دخول الولايات المتحدة مرحلة من الصدام المؤسسي، يكون فيها الكونجرس ساحة للمساءلة والتحقيقات، بينما يعتمد البيت الأبيض بصورة أكبر على الصلاحيات التنفيذية والقرارات الرئاسية والفيتو لمواجهة ضغوط الديمقراطيين.
وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نشر في الأول من نوفمبر 2026، أمضى مسؤولون كبار في الإدارة أشهرًا في دراسة الإجراءات التي يستطيع ترامب اتخاذها دون موافقة الكونغرس، في إطار استعدادات بدأت منذ أبريل الماضي، تحسبًا لنتائج انتخابات التجديد النصفي.
انتخابات أمريكا.. خطة ترامب للحكم من دون الكونجرس
تتمثل إحدى أبرز أدوات الخطة في توسيع استخدام السلطة التنفيذية، بحيث لا يتوقف تنفيذ أولويات الإدارة بالكامل على تمرير تشريعات جديدة. ووفقًا لـ«رويترز»، شارك نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ومدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوت، إلى جانب فريق المستشار القانوني للبيت الأبيض، في مراجعة مجموعة من الإجراءات المحتملة المتعلقة بالهجرة والتعريفات الجمركية وتكاليف الإسكان والإنفاق الحكومي.
وتشمل الخيارات المطروحة فرض رسوم جمركية جديدة على واردات بعض المعادن الحيوية وتوربينات الرياح، وتشديد قواعد التأشيرات الممنوحة للطلاب الدوليين والعمالة الأجنبية المؤقتة، إلى جانب إجراءات تستهدف خفض تكاليف الإسكان والبناء.
كما يدرس فوت إمكانية تنفيذ بعض أولويات الإدارة باستخدام أموال سبق أن أقر الكونغرس تخصيصها، فضلًا عن تعديل قواعد توزيع المنح الفيدرالية بما يمنح المعينين سياسيًا نفوذًا أكبر في تحديد البرامج المستفيدة من التمويل الحكومي.
وتعكس هذه التحركات محاولة لتقليل اعتماد ترامب على المؤسسة التشريعية، لكنها لا تعني أن الرئيس يستطيع تجاوز الكونغرس في جميع الملفات؛ إذ تظل صلاحياته مقيدة بالقوانين القائمة، كما يمكن الطعن أمام المحاكم في الإجراءات التي تتجاوز حدود السلطة التنفيذية.
الفيتو الرئاسي.. السلاح الذي يراهن عليه ترامب
في مواجهة احتمال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، يمثل حق النقض الرئاسي «الفيتو» أحد أهم الأسلحة الدستورية التي يمتلكها ترامب. فإذا أقر المشرعون قوانين لا تتوافق مع أجندته، يستطيع الرئيس رفض التصديق عليها وإعادتها إلى الكونغرس.
ولا يمكن تجاوز الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهي أغلبية يصعب على الديمقراطيين تحقيقها في ظل التوازنات الحزبية الحالية.
لكن استخدام الفيتو قد يحول العملية التشريعية إلى سلسلة من المواجهات، خصوصًا إذا حاول الديمقراطيون تمرير قوانين تتعلق بالإنفاق والرعاية الصحية والهجرة والرسوم الجمركية. وقد يضطر الطرفان في نهاية المطاف إلى التفاوض لتجنب تعطيل مؤسسات الحكومة أو الدخول في أزمات تمويل متكررة.
أما إذا انتقلت السيطرة على مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين، فستظهر جبهة أخرى تتعلق بالتعيينات؛ إذ يستطيع المجلس تعطيل أو رفض المصادقة على مرشحي الرئيس للمناصب الحكومية والقضائية، ما يضع الإدارة أمام صعوبة أكبر في استكمال تشكيل فريقها.
المحامون في حالة استنفار.. كيف يستعد البيت الأبيض للتحقيقات؟
ربما يكون الجانب الأكثر حساسية في استعدادات ترامب هو ما يتعلق بالتحقيقات البرلمانية المحتملة. فاستعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب تمنحهم صلاحيات رقابية واسعة، تشمل عقد جلسات الاستماع، وإصدار مذكرات الاستدعاء، وطلب الوثائق والسجلات من المسؤولين والشركات والأفراد المرتبطين بالإدارة.
ووفقًا لتقرير «واشنطن بوست» الصادر في 2 نوفمبر، بدأت شركات ومؤسسات أمريكية الاستعانة بمحامين استعدادًا لاحتمال تلقي طلبات للحصول على وثائق أو المثول أمام لجان الكونغرس، في ظل توقعات بتوسع التحقيقات إذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية.
وأشار التقرير إلى أن محامين متخصصين في التحقيقات البرلمانية وصفوا حجم الاستعدادات القانونية الحالية بأنه غير معتاد، خصوصًا أن المؤسسات بدأت مراجعة تعاملاتها مع الإدارة قبل ظهور نتائج الانتخابات.
وفي المقابل، تلقى مسؤولون ومعينون سياسيون داخل الإدارة إحاطات قانونية بشأن كيفية التعامل مع طلبات المعلومات والاستدعاءات البرلمانية، كما يدرس البيت الأبيض إمكانية الاستناد إلى مبدأ «الامتياز التنفيذي» لحماية بعض الاتصالات بين الرئيس ومستشاريه من الكشف أمام الكونغرس.
ويُعد هذا المبدأ من أكثر النقاط المتوقع أن تثير نزاعات قانونية، لأنه يتعلق بحدود السرية التي يمكن أن تحيط بمداولات السلطة التنفيذية، ومدى امتدادها إلى أشخاص من خارج الحكومة أو مستشارين خاصين.
ماذا يريد الديمقراطيون من ترامب إذا استعادوا الكونجرس؟
لا تبدو خطط الديمقراطيين مقتصرة على عرقلة أجندة الرئيس التشريعية؛ فقد تحدث مسؤولون ومشرعون في الحزب عن فتح تحقيقات تشمل تعاملات ترامب التجارية والمالية، وعلاقات أفراد من عائلته بشركات لها صلات بالحكومة، والعقود الفيدرالية، وسياسات الهجرة، وطريقة إدارة بعض المؤسسات الحكومية.
وكانت «رويترز» قد كشفت في أغسطس 2026 عن مناقشات داخل الحزب بشأن إعطاء الأولوية للتحقيقات وجمع الأدلة بدلًا من البدء بمحاولة عزل الرئيس فور استعادة مجلس النواب. وتشمل الأدوات المطروحة استدعاء مسؤولين وطلب سجلات من شركات ومؤسسات مالية لها تعاملات مع الإدارة أو أطراف مرتبطة بها.
كما تتضمن أجندة الديمقراطيين المحتملة مراجعة بعض قرارات الإنفاق والتعاقدات الحكومية، والتحقيق في ملفات تتعلق بنفوذ الشركات والمصالح الخاصة داخل دوائر صنع القرار. لكن هذه الملفات تظل خططًا ومناقشات سياسية، ولا تعني ثبوت ارتكاب مخالفات من جانب الأشخاص أو المؤسسات المذكورة.
هل تتحول واشنطن إلى ساحة حرب قانونية؟
تكمن صعوبة المشهد في أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس لا تعني قدرتهم الفورية على فرض إرادتهم على البيت الأبيض. فالإدارة تستطيع مقاومة طلبات الوثائق، والطعن في الاستدعاءات، واللجوء إلى الامتياز التنفيذي، بينما يستطيع الكونغرس استخدام صلاحياته الرقابية والتصعيد عبر إجراءات قانونية وسياسية.
وقد تتحول بعض النزاعات إلى المحاكم، بما يجعل تفسير حدود صلاحيات الرئيس والكونجرس جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي خلال المرحلة المقبلة. كما أن إطالة الإجراءات القانونية قد تمنح الإدارة وقتًا إضافيًا لتأخير تسليم الوثائق أو الرد على طلبات التحقيق، وهو ما يضع الديمقراطيين أمام تحدي تحويل الأغلبية البرلمانية إلى نتائج ملموسة قبل انتخابات الرئاسة المقبلة في 2028.
انتخابات أمريكا.. معركة على من يملك القرار في واشنطن
في النهاية، تكشف استعدادات إدارة ترامب أن انتخابات أمريكا 2026 قد لا تنتهي عند إعلان نتائج التصويت، بل ربما تكون بداية مواجهة طويلة بين البيت الأبيض والكونجرس. فإذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، سيحصل ترامب على مساحة أوسع لمواصلة برنامجه السياسي، أما إذا انتقلت السيطرة إلى الديمقراطيين، فقد يجد نفسه أمام رقابة أكثر شدة وتحقيقات موسعة وتعطيل محتمل لعدد من مشروعاته.
لكن الرهان الحقيقي للإدارة يبدو أوسع من مجرد الاحتفاظ بالمقاعد؛ فهو يتعلق بقدرتها على إدارة البلاد حتى في ظل كونجرس معادٍ. وبين المحامين والفيتو والصلاحيات التنفيذية، يستعد ترامب لمعركة قد يصبح فيها السؤال الأهم ليس من فاز بالانتخابات، بل من يمتلك الأدوات الأقوى للحكم بعد إعلان النتائج.