كمبالا – مع دخول السودان عام 2026، تتزايد التقديرات التي ترى أن البلاد تقترب من أخطر منعطف في تاريخها الحديث، حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد صراع مسلح على السلطة، بل تحولت إلى أزمة وجودية تمس فكرة الدولة نفسها، في ظل ترسخ واقع حكومتين متوازيتين، وخطابين سياسيين متعارضين، وانقسام اجتماعي آخذ في الاتساع.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن استمرار الحرب سيقود، على الأرجح، إلى تكريس انقسام بحكم الأمر الواقع، قد يتحول مع الوقت إلى تفكيك رسمي للدولة، على غرار تجارب سابقة في الإقليم، لا سيما مع استحضار الذاكرة المؤلمة لانفصال جنوب السودان. فوجود سلطتين متنازعتين على الأرض والشرعية ينذر بتحول خطوط السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية ثابتة.
في المعسكر المرتبط بالجيش، يسعى قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان إلى تثبيت بورتسودان بوصفها عاصمة الأمر الواقع وواجهة «الشرعية الدولية»، مستخدماً خطاباً يجمع بين الدعوة إلى «دولة المواطنة» والتأكيد على استمرار الحرب حتى تحقيق النصر. وعلى الجهة المقابلة، يطرح رئيس وزراء الحكومة الموازية في نيالا، محمد الحسن التعايشي، مشروع «تأسيس جديد» للدولة، يقوم على عقد اجتماعي مختلف، ونظام حكم لا مركزي، وإعادة بناء المؤسسات، بما فيها الجيش.
ويرجح مراقبون أن هذا التوازي في الهياكل والبرامج، وإن حمل في ظاهره حرصاً على وحدة السودان، فإنه عملياً يعمق مسار الانقسام، عبر نقل الصراع من ساحة القتال إلى ساحة تمثيل الدولة ذاتها. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المنافسة إلى صراع دائم بين كيانين سياسيين وإداريين مستقلين.
في هذا السياق، تتوقع قوى مدنية أن يؤدي استمرار الرهان على «الحسم العسكري» إلى نتائج عكسية. فبحسب تقديرات قيادات في تحالف القوى المدنية الديمقراطية، فإن الحرب لا تصنع وحدة، بل تنتج تعدد مراكز القرار، وتوسع رقعة السلاح، وتفتح المجال أمام تشكل إدارات محلية وقوى مسلحة مستقلة يصعب دمجها لاحقاً. ويرى هؤلاء أن غياب اتفاق سياسي شامل سيجعل أي حديث عن جيش واحد أو دولة موحدة أقرب إلى الشعار منه إلى المشروع القابل للتحقق.
السيناريوهات الأكثر قتامة تتعلق باحتمال تحوّل الحرب إلى صراع جهوي وعرقي، تغذيه لغة الكراهية والاستقطاب، مع بروز دعوات انفصالية صريحة على وسائل التواصل الاجتماعي، سواء لفصل دارفور وأجزاء من كردفان، أو لإقامة كيان بديل في وسط وشمال وشرق البلاد تحت مسميات جديدة. ويخشى محللون أن يؤدي هذا الخطاب، إذا تُرك من دون مواجهة سياسية ومجتمعية، إلى تطبيع فكرة التقسيم في الوعي العام، أو على الأقل القبول به كحل اضطراري.
وتحذر قراءات أخرى من أن أي تقسيم محتمل لن يكون سلمياً أو مستقراً، بل سيفتح الباب أمام تشظيات داخلية أعمق، خاصة في الأقاليم التي تعاني أصلاً من تناقضات وصراعات محلية. كما أن البيئة الإقليمية المضطربة، وتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية داعمة لطرفي الصراع، قد يحول السودان إلى ساحة ضمن صراع إقليمي أوسع، ما يطيل أمد الحرب ويضاعف كلفتها.
خلاصة المشهد المستقبلي أن السودان يقف أمام خيارين متناقضين: إما الانتقال العاجل من منطق «إدارة الحرب» إلى منطق «إنقاذ الدولة» عبر وقف القتال ومنع تحول السيطرة العسكرية إلى خرائط سياسية، أو الانزلاق التدريجي نحو واقع الانقسام، حيث تصبح الوحدة مجرد ذكرى، ويغدو الاحتفال بالاستقلال طقساً رمزياً لدولة لم تعد قائمة على أرض واحدة ولا مشروع جامع.