أعاد إلحاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ضمّ جزيرة جرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي، فتح نقاش دولي واسع حول الأهمية الاستراتيجية للجزيرة القطبية، وحدود الطموح الأميركي في إعادة رسم خرائط النفوذ، خصوصاً بعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
ترامب برّر تمسّكه بغرينلاند باعتبارات “الأمن القومي الأميركي”، مؤكداً في أكثر من مناسبة أن السيطرة على الجزيرة باتت ضرورة استراتيجية، في وقت قوبلت تصريحاته برفض قاطع من كوبنهاغن، التي شددت على أن غرينلاند “ليست للبيع”، وأن أي محاولة لضمّها بالقوة ستقود إلى أزمة غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي.
وبين الإصرار الأميركي والمعارضة الدنماركية، تبرز جملة من العوامل تفسّر سبب اهتمام ترامب المتجدد بهذه الجزيرة النائية.
موقع استراتيجي في قلب الصراع الدولي
تُعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتقع في موقع جغرافي فريد داخل الدائرة القطبية الشمالية، عند نقطة تقاطع حيوية بين أميركا الشمالية وروسيا وأوروبا. هذا الموقع يمنحها أهمية جيوسياسية متصاعدة، خصوصاً مع تحوّل القطب الشمالي إلى ساحة تنافس دولي بفعل ذوبان الجليد وفتح طرق جديدة للملاحة والتجارة.
وتستضيف الجزيرة بالفعل قاعدة عسكرية أميركية كبرى، ما يجعلها جزءاً من منظومة الدفاع الأميركية منذ عقود. لكن إدارة ترامب ترى أن الوجود العسكري وحده لم يعد كافياً في ظل تنامي النفوذ الروسي والصيني في مناطق القطب الشمالي، وتسعى إلى تثبيت سيطرة مباشرة تضمن تفوقاً طويل الأمد.
القطب الشمالي… ممرات جديدة ونفوذ متقدم
مع تغيّر المناخ، بات القطب الشمالي أكثر انفتاحاً على طرق شحن بحرية تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وتمنح غرينلاند من يسيطر عليها موقعاً متقدماً لمراقبة هذه الطرق وتأمينها، فضلاً عن تعزيز القدرات الاستخباراتية والعسكرية في مواجهة الخصوم الاستراتيجيين.
وتنظر واشنطن إلى هذا التحول بوصفه فرصة لا ينبغي تفويتها، خاصة في ظل سباق عالمي على النفوذ في المناطق القطبية.
ثروات طبيعية ومعادن نادرة
إلى جانب موقعها الجغرافي، تختزن جرينلاند ثروات طبيعية هائلة، تشمل معادن نادرة تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، إضافة إلى اليورانيوم واحتياطات كبيرة من النفط والغاز غير المستخرجين حتى الآن.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على الصين في الحصول على المعادن النادرة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الصناعات العسكرية وتقنيات الاتصالات والطاقة المتجددة. ومن هذا المنطلق، تبدو غرينلاند خياراً مثالياً لمصدر بديل “آمن” وقريب جغرافياً.
هاجس الصين وروسيا
تخشى واشنطن من تنامي الحضور الاقتصادي والاستثماري الصيني في جرينلاند، خاصة في قطاعات التعدين والبنية التحتية، كما تراقب عن كثب التحركات الروسية المتزايدة في القطب الشمالي. ويعتقد ترامب أن ضمّ الجزيرة سيُغلق الباب أمام أي نفوذ منافس، ويمنح الولايات المتحدة أفضلية استراتيجية حاسمة في منطقة مرشحة لتكون إحدى ساحات الصراع الكبرى في العقود المقبلة.
صدام مع الحلفاء
في المقابل، ترى الدنمارك أن الطرح الأميركي يتجاوز كل الأعراف الدولية، ويمثل تهديداً مباشراً لسيادتها ولتوازن العلاقات داخل حلف الناتو. وقد حذّرت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن من أن أي استيلاء قسري على غرينلاند قد يعني عملياً تفكك التحالف الأطلسي، في سابقة غير معهودة بين حلفاء تاريخيين.
بين الطموح والواقع
ورغم أن سيناريو الضمّ القسري يبدو مستبعداً في المدى المنظور، إلا أن إصرار ترامب يكشف عن تحوّل أعمق في التفكير الاستراتيجي الأميركي، يقوم على توسيع مناطق النفوذ المباشر، حتى لو جاء ذلك على حساب العلاقات مع الحلفاء.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى جرينلاند أكثر من مجرد جزيرة نائية؛ إنها عقدة جيوسياسية تجمع بين الأمن القومي، والصراع على الموارد، وإعادة تشكيل موازين القوة في عالم يتجه بسرعة نحو تنافس أشد على المناطق الاستراتيجية.