في تصعيد لافت في الخطاب السياسي والأمني الأمريكي، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن الرؤساء الأمريكيين «يحتفظون دائمًا بخيار» التدخل العسكري في أي مكان في العالم، إذا اعتبروا أن ذلك يخدم الأمن القومي للولايات المتحدة، موسعًا بذلك نطاق التهديدات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا بشأن استخدام القوة للسيطرة على جرينلاند.
وجاءت تصريحات روبيو خلال مؤتمر صحفي عقده عقب إحاطة مشتركة قدّمها إلى الكونجرس مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، تناولت العملية الأمريكية التي وُصفت بأنها غير قانونية للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في نهاية الأسبوع الماضي. وشكّلت هذه الإحاطة، وما تلاها من تصريحات، مناسبة لإعادة تأكيد نهج الإدارة الأمريكية القائم على توسيع مفهوم “التهديد للأمن القومي” بما يبرر، وفق رؤيتها، التدخل العسكري خارج الحدود.
جرينلاند… أولوية أمن قومي
وعلى الرغم من محاولته التهرب من الأسئلة المباشرة المتعلقة بغرينلاند، أعاد روبيو التأكيد على موقف البيت الأبيض الذي يعتبر ضم الجزيرة «أولوية أمن قومي»، ولم يستبعد «استخدام الجيش الأمريكي» لتحقيق ذلك. ويأتي هذا الموقف في ظل موجة تنديد دولية واسعة، واجتماعات أوروبية طارئة لبحث سبل الرد المحتمل على أي خطوة أمريكية أحادية.
وعندما سُئل عمّا إذا كان التدخل العسكري «خارج الطاولة»، قال روبيو: «لا أتحدث عن الدنمارك أو تدخل عسكري… سألتقي بهم الأسبوع المقبل»، قبل أن يوضح لاحقًا بنبرة أكثر شمولية:
«الرئيس — وأي رئيس — يحتفظ دائمًا بالخيار… أنا لا أتحدث عن غرينلاند، بل عالميًا. إذا حدّد الرئيس تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، فله خيار معالجته عسكريًا».
فنزويلا نموذجًا لتبرير التدخل
وفي تبريره للعملية الأمريكية في فنزويلا، قال روبيو إن الدبلوماسية تبقى الخيار المفضل، «لكنها فشلت»، زاعمًا أن التدخل العسكري جاء ردًا على تهديدات تتعلق بتهريب المخدرات. غير أن هذا التبرير قوبل برفض واسع من خبراء القانون الدولي، الذين اعتبروا أن مثل هذه الادعاءات لا ترقى إلى مستوى التهديد الذي يجيز استخدام القوة.
ويرى مراقبون أن فنزويلا تحولت إلى نموذج تطبيقي لنهج جديد تتبناه إدارة ترامب، يقوم على تجاوز أدوات الضغط التقليدية – كالعقوبات والعزل السياسي – والانتقال إلى فرض الوقائع بالقوة العسكرية المباشرة.
تعارض مع القانون الدولي
ويشير ميثاق الأمم المتحدة، الذي وقّعت عليه الولايات المتحدة، إلى أن استخدام القوة لا يُسمح به إلا في حالتين واضحتين: الدفاع عن النفس ضد هجوم وشيك، أو الحصول على تفويض صريح من مجلس الأمن. ويؤكد مختصون أن هذه الشروط لا تنطبق لا على فنزويلا ولا على غرينلاند، التي لا تشكّل، وفق المعايير القانونية، «تهديدًا وشيكًا» للأمن الأمريكي، حتى في ظل ادعاءات ترامب غير الدقيقة بوجود سفن روسية أو صينية في محيط الجزيرة.
كما شدد خبراء قانون دولي على أن مجرد التهديد باستخدام القوة يُعدّ بحد ذاته انتهاكًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة. وكتب الباحث في القانون الدولي إدمرڤرسون سانتوس أن «القانون الدولي لا يعترف بالسيادة المكتسبة بالقوة غير المشروعة»، وأن التهديدات الجدية المصحوبة بضغط سياسي أو عسكري قد تندرج ضمن هذا الحظر الصريح.
عودة «مبدأ مونرو» بصيغة جديدة
ومنذ الهجوم على فنزويلا، لوّحت إدارة ترامب باستخدام القوة ضد دول أخرى في المنطقة، في إطار ما وصفه الرئيس بإحياء «مبدأ مونرو» لكن بصيغة استعمارية معاصرة. فقد صدرت تهديدات مباشرة أو غير مباشرة بحق المكسيك وكولومبيا، فيما ألمح روبيو إلى وجود «قلق» محتمل بشأن كوبا.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة فرض الهيمنة في أمريكا اللاتينية بالقوة، مستفيدًا من تراجع الردع الدولي وتباين المواقف الأوروبية.
تحذيرات من تداعيات أوسع
وحذّر أندريه نولكامبر، أستاذ القانون الدولي في جامعة أمستردام، من أن التهاون الأوروبي إزاء هذه التصريحات والسياسات شجّع واشنطن على المضي قدمًا في تصعيدها، معتبرًا أن «تطبيع التدخل كأداة في السياسة الأمريكية» سيُقاس بردود فعل الدول الأخرى، ليس فقط في أمريكا اللاتينية، بل أيضًا تجاه المكسيك وكولومبيا وكوبا، وحتى غرينلاند.