شرعت الجزائر رسميًا في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تحمل دلالات سياسية أوسع من مجرد شراكة في النقل الجوي، وذلك بعد سنوات من توتر العلاقات بين البلدين.
خلفية القرار: نهاية عقد من التعاون في السماء
اتفاقية الخدمات الجوية بين الجزائر والإمارات، التي وُقعت في أبوظبي في مايو 2013 وصادقت عليها الجزائر بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2014، نظّمت منذ أكثر من عقد التعاون في مجال النقل الجوي بين الطرفين.
لكن الجزائر أعلنت أنها بدأت الاجراءات القانونية لإنهاء العمل باتفاقية الخدمات الجوية، على أن تتم إشعار الإمارات رسميًا عبر القنوات الدبلوماسية وإبلاغ منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو).
الحكومة الإماراتية ردّت بالتأكيد أن الرحلات الجوية ستستمر بشكل طبيعي خلال فترة الانتقال القانونية، وأن القرار لا يترتب عليه تأثير فوري على حركة الطيران، في محاولة لتهدئة القلق حول استمرارية الخدمات الجوية.
رسائل سياسية وراء قرار فني
البيان الجزائري لم يوضح الأسباب الفنية لاتخاذ هذا الإجراء، وترك المجال واسعًا للتأويل حول دوافع أعمق. لكن وسائل الإعلام الجزائرية والحكومية وصفت القرار بأنه جزء من تصعيد أوسع في العلاقات مع أبوظبي، متهمة الإمارات بمحاولة التحريض وإثارة الفتن في المنطقة و«التدخل في الشؤون الداخلية» للجزائر، وهو ما تم تفسيره على نطاق واسع على أنه إشارة مباشرة للسياسات الإماراتية في شمال أفريقيا.
المحللون يرون أن إلغاء اتفاقية الطيران يشكّل خطوة غير مسبوقة في العلاقات الثنائية، إذ أن مثل هذه الاتفاقيات عادة ما تُفكّك فقط في أجواء أزمة دبلوماسية حادة أو خلافات عميقة في السياسات الخارجية.
تصريحات تبون: من «دويلة» إلى اتهامات بالتدخل
في تصريحات تلفزيونية وتغريدات لاحقة على خلفية القرار، صرّح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن بلاده تتمتع بعلاقات «أخوية» مع معظم دول الخليج، لكن هناك دولة واحدة – وصفها بعبارة “دويلة” في الإشارة للإمارات – تتسم بمحاولات للتدخل في الشأن الجزائري.
تبون اتهم ما وصفه بـ«الدولة الصغيرة» بأنها سعت للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية في الجزائر، وأن مسؤولين إماراتيين حاولوا اللعب على خطوط سياسية داخلية، بل ووصل بهم الأمر إلى تهديد الجزائر باللجوء للتحكيم الدولي بعد إجراءات الجزائر تجاه بعض الشراكات الاستثمارية الإماراتية.
ولم يتوقف الرئيس عند حدود القضاء على هذا النفوذ، بل خاطب أبوظبي قائلاً إن الجزائر تسعى للسلام والاستقرار، لكنها لن تتسامح مع من ينوي لها الشر، وأن عليها ألا تدفعه إلى الندم على اليوم الذي عرفته فيه، في تصريحات حملت نبرة تحذيرية قوية وغير مسبوقة تجاه الإمارات.
التبعات المحتملة: من النقل الجوي إلى التوازن الإقليمي
الخطوة الجزائرية، وإن بدا أثرها المباشر محدودًا حاليًا على حركة الطيران، تحمل رسالة سياسية قوية بأن العلاقات بين البلدين بلغت مرحلة تأزم غير مسبوقة، وأن الربط الاقتصادي والتعاون المشترك باتا عرضة لإعادة نظر أعمق.
هذا الخلاف يتقاطع مع ملفات إقليمية أخرى مثل النزاعات في الساحل، واتهامات الجزائر بدعم بعض الحركات الانفصالية، وما تراه من تحالفات إماراتية مع أطراف إقليمية تختلف جذريًا مع رؤية الجزائر لمعادلات الاستقرار في المنطقة.
في المجمل، القرار الجزائري ليس مجرد خطوة فنية في قطاع الطيران، بل يعكس عمقًا جيوسياسيًا يعيد تشكيل ملامح العلاقات بين الجزائر ودول الخليج، ويرسل إشارات إلى المنطقة حول دلالات السيادة الوطنية ومناهضة ما تعتبره الجزائر تدخلًا خارجيًا في شؤونها الداخلية.