ads
ads

لاريجاني .. صندوق إيران الأسود : الفيلسوف البراجماتي المتشكك يرحل بعد حياة علمية وسياسية لافتة ( بروفيل )

 علي لاريجاني
علي لاريجاني

يُعد علي لاريجاني أحد أبرز الوجوه السياسية في ايران حيث يجمع بين الخلفية العسكرية والأكاديمية والخبرة البرلمانية الطويلة. لاريجاني، الذي يشغل حالياً منصب مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، يُنظر إليه كـ "صندوق أسود" للسياسة الخارجية الإيرانية، خاصة في الملفات التي تتطلب توازناً دقيقاً بين التشدد الثوري والبراغماتية الدبلوماسية.

وتولى لاريجاني رئاسة مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) لثلاث دورات متتالية (2008-2020)، وهي الفترة التي شهدت صراعات سياسية داخلية حادة، استطاع خلالها الحفاظ على موقعه كلاعب وسط يثق به المرشد. وقبل عمله البرلماني، قاد لاريجاني المجلس الأعلى للأمن القومي وكان كبير المفاوضين النوويين، حيث عُرف بأسلوبه الهادئ والمناور في مواجهة الضغوط الغربية، مما أكسبه احتراماً حتى لدى خصومه السياسيين.

وينتمي لاريجاني إلى عائلة دينية وسياسية نافذة، وهو ما منحه نفوذاً واسعاً داخل أروقة صناعة القرار. ورغم ابتعاده عن الأضواء التنفيذية المباشرة في الآونة الأخيرة، إلا أن دوره كمبعوث خاص للمرشد في ملفات إقليمية شائكة (مثل العلاقات مع الصين وسوريا ولبنان) يؤكد أن "العقل الدبلوماسي" لاريجاني لا يزال يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية طهران لمواجهة التحديات الدولية الراهنة.

تُعد دراسة علي لاريجاني للفلسفة الغربية، وتحديداً فلسفة "إيمانويل كانط"، أحد الجوانب الأكثر إثارة في سيرته الذاتية، إذ تمنحه هذه الخلفية الأكاديمية صبغة "السياسي الفيلسوف" التي ميزت أسلوبه الدبلوماسي والمناور. وإليك فقرات موسعة حول هذا الجانب:

التكوين الأكاديمي والاشتباك مع العقل الكانطي:

لم يكتفِ علي لاريجاني بدراسته الأولية في الرياضيات وعلم الحاسوب، بل اتجه مدفوعاً بنزعة فكرية عميقة نحو الدراسات العليا في الفلسفة بجامعة طهران، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه. ركزت أطروحته للدكتوراه بشكل محوري على فلسفة إيمانويل كانط، وتحديداً في جوانبها المتصلة بالميتافيزيقا ونظرية المعرفة. هذا الانغماس في "نقد العقل المحض" لم يكن مجرد تحصيل أكاديمي، بل كان محاولة لفهم الأسس المعرفية للحداثة الغربية من منظور إسلامي وفلسفي مقارن، مما أتاح له القدرة على تفكيك الخطاب الغربي في المفاوضات الدولية لاحقاً باستخدام أدوات منطقية وفلسفية صلبة.

أطروحة الدكتوراه: حدود العقل واليقين:

تناولت دراسة لاريجاني لكانط إشكالية "الحدود" و"الممكن" في الإدراك البشري؛ حيث تعمق في تحليل كيفية بناء كانط لعالم الظواهر (الفينومينا) وعجزه عن إدراك الأشياء في ذاتها (النومينا). وقد انعكس هذا التأثر بوضوح في كتاباته اللاحقة وفي رؤيته للسياسة الخارجية، حيث كان يميل دوماً إلى التمييز بين "الظواهر السياسية" المعلنة وبين "الحقائق الجيوسياسية" الكامنة. يرى لاريجاني في كانط جسراً ضرورياً لفهم التطورات الفكرية التي صاغت وجه أوروبا، وهو ما جعله يتبنى لغة حوارية "عقلانية" في المحافل الدولية، تختلف تماماً عن الخطاب الشعبي التقليدي، مستفيداً من الصرامة المنطقية التي تميز الفلسفة الألمانية.

الفلسفة في خدمة البراغماتية السياسية:

يرى المحللون أن دراسة لاريجاني لكانط هي التي صاغت شخصيته "البراجماتية المتشككة"؛ فكانط الذي وضع حدوداً للعقل البشري، ألهم لاريجاني وضع حدود للممكن في السياسة. خلال ترؤسه للبرلمان أو قيادته للملف النووي، كان يستخدم منطقاً "تفكيكياً" يشبه منهج كانط في نقد الأفكار المسبقة، مما جعله خصماً فكرياً صعباً للمفاوضين الغربيين. فبدلاً من التصادم العقائدي الصرف، كان يلجأ إلى محاججة الغرب بأسسه الفلسفية ذاتها، معتبراً أن فهم "كانط" هو المفتاح لفهم كيفية تفكير العقل الاستراتيجي الغربي، وهو ما ساعده في صياغة اتفاقيات معقدة توازن بين المبادئ الثورية والمصالح الوطنية الواقعية.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
من ضمنها تعديل قانون الكهرباء.. قرارات الاجتماع الـ83 لمجلس الوزراء برئاسة مدبولي