القدس المحتلة – تحت مسمى "يوم توحيد القدس"، تنطلق سنوياً "مسيرة الأعلام" الإسرائيلية لتخترق أحياء البلدة القديمة، محولةً أزقتها إلى ساحة لاستعراض القوة وفرض السيادة. هذه المسيرة التي بدأت كاحتفالية دينية محدودة، باتت اليوم تُصنف كواحدة من أخطر أدوات "التهويد" السياسي والاجتماعي للمدينة المقدسة، وصاعق تفجير دائم للمواجهات العسكرية مع المقاومة الفلسطينية.
البداية: "رقصة" في مدرسة دينية
تعود جذور المسيرة إلى عام 1968، أي بعد عام واحد من احتلال شرق القدس. لم تبدأ كحدث رسمي للدولة، بل كبادرة من الحاخام المتطرف "تسفي يهودا كوك" وتلاميذه في مدرسة "مركاز هراف" الدينية. كانت تُسمى حينها بـ "رقصة الأعلام"، حيث سار بضع مئات من المستوطنين باتجاه حائط البراق وهم يرقصون، في محاولة لإضفاء صبغة "خلاصية دينية" على السيطرة العسكرية الإسرائيلية على المقدسات.
التحول إلى "استعراض سيادي" واستفزازي
مع مرور العقود وصعود تيار "الصهيونية الدينية" إلى مفاصل الحكم، انتقلت المسيرة من "رقصة" طلابية إلى تظاهرة سياسية كبرى ترعاها الحكومة وتؤمنها آلاف القوات الشرطية. تكمن خطورة المسيرة في مسارها الذي يتعمد اختراق "باب العامود" والحي الإسلامي، حيث يقوم المشاركون بقرع أبواب المحال التجارية الفلسطينية بعنف، وتوجيه شتائم عنصرية للعرب، مما يحول حياة المقدسيين إلى سجن مفتوح ليوم كامل.
المسيرة كأداة لـ "التهويد" البصري والنفسي
يؤكد خبراء في شؤون القدس أن المسيرة تهدف إلى تحقيق "تهويد بصري" مؤقت للمدينة، عبر تغطية معالمها العربية بآلاف الأعلام الإسرائيلية، وإيصال رسالة نفسية للفلسطينيين وللعالم بأن القدس "عاصمة موحدة" لإسرائيل. هذا الفرض القسري للهوية الصهيونية داخل الأحياء العتيقة يُعد جزءاً من استراتيجية أوسع لتغيير الديموغرافيا والواقع التاريخي (الستاتيكو) في القدس المحتلة.
من الشارع إلى الميدان العسكري
لم تعد المسيرة مجرد حدث محلي؛ ففي السنوات الأخيرة، تحولت إلى "اختبار قوة" إقليمي. ففي عام 2021، أدى الإصرار على مسار المسيرة إلى اندلاع مواجهة عسكرية شاملة (معركة سيف القدس)، بعد أن ربطت المقاومة الفلسطينية بين أمن القدس وقدراتها العسكرية. ومنذ ذلك الحين، بات العالم يترقب "ذكرى توحيد القدس" ليس كاحتفال إسرائيلي، بل كبداية محتملة لجولة جديدة من الصراع الوجودي في المنطقة.