يجد الشرق الأوسط نفسه اليوم أمام مرحلة مفصلية تتسم بالغموض والتوتر، حيث يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض واقع جيوسياسي جديد عبر ما يُعرف بـ "صفقة ترامب" لإنهاء الحروب الإقليمية.
وفي قلب هذه التحركات، تأتي مذكرة التفاهم المبرمة بين واشنطن وطهران، والتي تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق نار شامل يمتد لستين يوماً كفترة اختبار وتفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي، يشمل ملفات شائكة تبدأ من البرنامج النووي الإيراني ولا تنتهي عند أمن الملاحة في مضيق هرمز.
غير أن هذه الصفقة تصطدم بواقع ميداني متفجر، خاصة على الجبهة اللبنانية، حيث لا تزال الانتهاكات المتبادلة تلقي بظلالها على المسار الدبلوماسي. فبينما تحاول واشنطن دفع الأطراف نحو التهدئة عبر وعود اقتصادية وإعادة تموضع إقليمي، تصر إسرائيل على استمرار عملياتها وتثبيت وجودها في "مناطق أمنية" داخل جنوب لبنان، وسط إصرار من "حزب الله" على الرد، مما يضع التفاهمات الأمريكية-الإيرانية أمام اختبار مبكر.
هذا الربط القسري بين المسار الدبلوماسي الكبير والتطورات العسكرية الميدانية جعل من مفاوضات سويسرا المقررة مؤخراً ضحية لتصاعد العمليات، مما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ملزمة على الأرض.
وعلى صعيد آخر، يتجاوز طموح "الصفقة" نطاق وقف القتال ليشمل إعادة هيكلة المشهد الإقليمي ككل، عبر مبادرات مثل "مجلس السلام" لإدارة غزة وإعادة إعمارها، والدفع نحو توسيع "الاتفاقيات الإبراهيمية" لتشمل دولاً جديدة في حال نجاح الاتفاق مع إيران.
ومع ذلك، فإن هذه الرؤية التي يصفها البعض بـ "الهوليوودية" تواجه تحديات بنيوية؛ إذ يرى محللون أن الموازين التي يسعى ترامب لإعادة ترتيبها قد تركت حلفاءه التقليديين، وفي مقدمتهم إسرائيل، في حالة من الترقب والقلق، بينما تراهن إيران على موقعها كقوة إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوزها.
وفي المحصلة، تظل "صفقة ترامب" مشروعاً قيد الاختبار، يتأرجح بين رغبة البيت الأبيض في تحقيق انتصار دبلوماسي سريع ينهي الحروب المستنزفة، وبين واقع إقليمي معقد لا يسهل تطويعه عبر مذكرات التفاهم. وبينما يتوجه ترامب نحو كامب ديفيد في محاولة لتنسيق الموقف النهائي، يبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكن هذه الصفقة من بناء "سلام مستدام" أم أنها مجرد فترة هدوء مؤقتة لن تلبث أن تتبدد أمام تصاعد الطموحات والمخاوف الإقليمية المتجذرة؟
وفي دول الخليج، يُنظر إلى هذه الصفقة بعينها يملؤها يطلب الممزوج بالارتياح؛ إذ بينما ترحب العواصم الخليجية بأي مسار يضمن خفض التصعيد ويحمي الأشعة السينية ومنشآت الطاقة، لا تزال تخشى أن يتمكن أي تفاهمات منفردة بين واشنطن وتان إلى "تغيير في متطلبات اللعبة" يقلص من المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. وهناك دول الخليج الآن لاستثمار هذه الهدنة لتسريع تنويع الاقتصاد الحكومي في مجال التنمية، مع احتفاظها بعدم استراتيجية "تعدد البرامج" والارتهان لأي تغيير في السياسة الأمريكية.
أما في إيران، فإن الصفقة تمثل "اختباراً وجوداً" أكثر من مجرد اتفاقية دبلوماسية. بالنسبة لتيار البراغماتي في طهران، فإن استمرار الصفقة نجاة ضروريا ضروريا لإنقاذ النظام من حالة إنهاك المعيشي وعزلة دولية، ولكن ضع هذا التيار في مواجهة مباشرة مع الأجنحة الراديكالية التي ترى في استسلام أمني تقويضاً للهوية الأيديولوجية السليمة.
ونتيجة لذلك، فإن الأمر يستحق أن يشعرها جيم بما يستحقه، وهو ما يضع طهران أمام تحدي جهود صيانة يدها في المنطقة في ظل الضغوط التي لا يمكن الاعتماد عليها للالتزام بجدول زمني للتهدئة، مما يجعل من الممكن التوصل إلى نتيجة نهائية، حيث يستمر استمرار الصراع حول النظام واستمراريته.
على الجانب المشرق، تولد التعامل مع التصرفات الخاصة بالتوجس الرائع، ولكن بالرغم من ذلك من تل أبيب لسياسة "الضغط الأقصى" التي تنهجها العمل سابقًا، إلا أن التوجه إلى التهدئة قد يُفسر إسرائيليًا كمفاجأة لورقة الضغط الأمريكية التي كانت تعتمد عليها لتجميد الطموحات النووية.
تخشى أن تتعامل مع التفاهمات الأمريكية الأمريكية إلى مركز طهران في الجبهة الشمالية أو توفير غطاء لها قدراتها العسكرية تحت ستار الهدنة. وبالتالي، بدأت تل أبيب في انتهاج "الاستقلالية الأمنية"، حيث اصرت على إصلاحها بالكامل بالقوة العسكرية لمنع أي إلغاءات وجودية، مما قد يضعها في مسار تصادم غير مباشر مع إدارة الإدارة الأمريكية في تهدئة المنطقة.
بشكل عام، وبالتالي التنازل عن المخدرات حقًا من جديد تجد فيه في كل الأحوال نفسه مضطرًا إلى تقديم تنازلات مؤلمة مقابل مقاومة هش. فبينما تحاول واشنطن تحقيق أم دبلوماسي تعيد تشكيلها العالمية، التحول المفقود في الشرق الأوسط، وتتواصل في لعبة كوكبات دقيقة، حيث تحاول دول الخليج تأمين مصالحها، وتنور إيران، وتراقب الإسرائيليين بقلق، مما يجعل من هذا المسار تجربة دبلوماسية قابلة للانهيار في أي لحظة إذا ما اختلفت التوازن بين العودة الاقتصادية والمطالب الأمني.