في تطور لافت يعكس الانقسام العميق داخل القارة الأوروبية بشأن ملف الهجرة، برز كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل مارون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كأبرز الأصوات المعارضة للتوجهات الرامية لإنشاء "مراكز عودة" خارج حدود الاتحاد الأوروبي لترحيل المهاجرين. هذا الموقف المشترك يأتي كصدام مباشر مع موجة اليمين الصاعد في دول أوروبية أخرى، والتي تضغط باتجاه تبني سياسات "خارجية" أكثر صرامة، بحجة أن الأطر القانونية الحالية لم تعد كافية للتعامل مع تدفقات المهاجرين واللاجئين، وأن الحل يكمن في نقل مسؤولية المعالجة إلى دول ثالثة.
بالنسبة لماكرون وسانشيز، فإن خطط إنشاء مراكز احتجاز أو معالجة خارج الحدود تمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي. يرى الزعيمان أن مثل هذه المقترحات تفرغ مفهوم "حق اللجوء" من محتواه، وتدفع الاتحاد الأوروبي نحو مسارات قانونية وأخلاقية غامضة، قد تجعل التكتل شريكاً في ممارسات تفتقر للشفافية والرقابة القضائية. كما يشددان على أن هذه المراكز قد تتحول إلى "ثقوب سوداء" حقوقية، مما يضر بسمعة أوروبا كقوة عالمية تدافع عن القيم الديمقراطية، بدلاً من أن تكون حلاً مستداماً لأزمة هيكلية تتطلب معالجة جذورها في دول المنشأ والعبور.
من منظور استراتيجي، يخشى ماكرون وسانشيز أن يؤدي اعتماد هذا النموذج إلى "ابتزاز سياسي" من قبل الدول التي ستستضيف هذه المراكز، حيث يمكن للأنظمة في تلك الدول استخدام ملف المهاجرين كأداة ضغط دائمة على بروكسل للحصول على مكاسب سياسية أو مالية. وبدلاً من سياسات الترحيل القسري والترحيل الخارجي، يدعو الزعيمان إلى نهج يعتمد على "الدبلوماسية الهادئة" وتعزيز التعاون مع دول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل في إطار شراكات تنموية متوازنة، تركز على خلق فرص اقتصادية تقلل من دافع الهجرة غير النظامية، مع الحفاظ على التزامات أوروبا الإنسانية تجاه طالبي الحماية.
هذا التوبيخ العلني لخطط المراكز الخارجية يكشف عن فجوة تتسع في "البيت الأوروبي"؛ فبينما يرى تيار واسع أن أمن الحدود يتطلب إجراءات استثنائية وجريئة، يصر التيار الذي يقوده ماكرون وسانشيز على أن أمن أوروبا لا ينفصل عن التزامها الأخلاقي. وبينما تستمر المشاورات في بروكسل، يظل هذا الخلاف قائماً كعقبة رئيسية أمام صياغة سياسة هجرة أوروبية موحدة، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل اتفاقية "شينغن" وتماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة واحدة من أكثر القضايا تحدياً لاستقراره الداخلي.