فرضت التحولات المتسارعة في بيئة الشرق الأوسط، وما رافقها من انفراجات دبلوماسية وتغيرات في خرائط النفوذ، واقعاً جديداً على الفصائل المسلحة في العراق، مما دفعها إلى إعادة صياغة استراتيجياتها لتنتقل من الاقتصار على العمل العسكري والميداني إلى البحث عن دور محوري في مفاصل الدولة، مدفوعةً برغبة في تثبيت وجودها كقوة "غير قابلة للتجاوز" داخل النظام السياسي والاقتصادي العراقي.
ويرى مراقبون أن هذه الفصائل أدركت أن استدامة قوتها لم تعد ممكنة عبر البندقية وحدها، خاصة في ظل تحسن علاقات طهران ببعض العواصم الإقليمية، مما قلل من الحاجة إلى التصعيد المستمر. وبدلاً من المواجهة المفتوحة التي قد تضعها في صدام مباشر مع التوجهات الرسمية للدولة أو التفاهمات الدولية، اتجهت هذه المجموعات نحو "العمل المؤسسي" عبر الانخراط الكثيف في العملية السياسية، وتشكيل كتل برلمانية، وتوسيع نفوذها داخل الوزارات الخدمية والأمنية، لضمان حماية مكتسباتها وتأمين غطاء قانوني لأنشطتها.
وبموازاة التمدد السياسي، دخلت الفصائل بقوة إلى الساحة الاقتصادية، حيث سعت إلى التحول من مجرد تنظيمات مسلحة إلى "تكتلات اقتصادية" تدير مشاريع استثمارية ومقاولات كبرى في قطاعات البناء، الطاقة، والنقل. هذا التحول نحو "الاستثمار المسلح" يمنحها استقلالية مالية تقلل من اعتمادها على التمويل التقليدي، ويجعل منها شريكاً في عملية إعادة الإعمار، مما يربط مصالحها بمصالح الفئات التجارية والبيروقراطية المرتبطة بالدولة، ويجعل من الصعب تفكيك نفوذها دون إحداث هزات اقتصادية واسعة.
وتأتي هذه المقاربة المزدوجة – سياسياً واقتصادياً – كآلية تكيف ذكية تهدف إلى التغلغل في "بنية الدولة" بدلاً من العمل خارجها أو منافستها. فمن خلال الهيمنة على مفاصل القرار الاقتصادي والتغلغل في الأجهزة البيروقراطية، تضمن هذه الفصائل عدم استهدافها من قبل الحكومات المتعاقبة، وتحول نفسها إلى "دولة داخل الدولة" تمتلك القدرة على التأثير في صياغة السياسات الوطنية والقرارات السيادية، مما يضمن لها بقاءً طويل الأمد يتجاوز تقلبات التحالفات الإقليمية.